أضاء إدغار جلاد باشا، صاحب جريدة «الزمان» و»جورنال دي إيجيبت»، النور الأحمر على باب حجرته مستدعيا صحافيا شابا. اتصل خلال وجوده في مكتبه (وكان ذلك صباح 30 آذار/مارس 1949) برئيس الوزراء المصري، الذي طلب منه التريث في نشر الأنباء «لأنها قد تثير الأمن العام».
كان ذلك الصحافي هو زكريا لطفي جمعة، وقد تحوّلت مشاهداته في سوريا عن الانقلابين الأولين فيها إلى كتاب بعنوان «شهدت انقلابين في سوريا»، وقد أهداه لوالده الكاتب والمترجم والروائي والناشط السياسي المصري محمد لطفي جمعة.
اتصل جمعة بجميل مردم بيك، رئيس الحكومة السورية السابق، الذي استقال قبل أشهر (كانون الأول/ديسمبر 1948)، وكان حينها في القاهرة، وبأمين عام الجامعة العربية عبد الرحمن عزام، وبالقائم بالأعمال السوري، فأنكر أي منهم معرفته بما حصل. جاءت بعد ذلك أنباء بأن «معارك دموية جرت في دمشق استولى بعدها الجيش على زمام الحكم في البلاد»، وأن الزعيم حسني الزعيم، قائد الجيش، اعتقل شكري القوتلي رئيس الجمهورية، وخالد العظم رئيس الوزراء.
بعد حصوله على فيزا غادر زكريا مطار ألماظة نحو مطار المزة في دمشق، حيث وجد ضباط الأمن في المطار منشرحين، وعند وصوله إلى ربوة عالية (سجن المزة) قيل له إن الرئيس معتقل هناك. في فندق أميّة يجد زكريا «عشرات الصحافيين من العراق ولبنان والأردن وتركيا وأمريكا وإنكلترا، وعشرات النواب ورجال القبائل والعشائر وأبناء جبل الدروز»، ويهمس صحافي أمريكي له أن يحذر ممن يتقربون منه لأنهم جواسيس من «البوليس السياسي».
بكتاش في تل أبيب لتنظيم الحزب الشيوعي
كانت الدبابات تملأ الميدان الكبير المنبسط أمام فندق أوريان بالاس و»مئات من الشعب السوري قد التفوا حول هذه الدبابات والمصفحات يصفقون ويهللون ويغنون ويرقصون الدبكة»، صدرت الصحف في اليوم الأول تؤيد الانقلاب، ونشرت بعدها «عشرات المقالات عن طغيان شكري القوتلي والرسالة المقدسة التي يحملها الزعيم حسني الزعيم»، وبعدها بأيام شهد جمعة مظاهرة كبيرة من طلبة الجامعة السورية تهتف بحماسة بسقوط الظلم.
يلتقي زكريا بمدير الرقابة والنشر في المفوضية الإنكليزية في دمشق ويسأله إن كانت بريطانيا من دبر الانقلاب فيقول له إن كل ما يهم بريطانيا هو «وقف انتشار الشيوعية في سوريا»، وأن «خالد بكتاش (هكذا) رئيس مكتب الشيوعية في الشرق الأوسط، يوجد في سوريا الآن»، وأنه «دخل إلى تل أبيب أثناء حرب فلسطين، وأشرف هناك على تنظيم الحزب الشيوعي».
توجه زكريا لدار الأركان ووصل إلى مكتب المقدم بهيج كلاس وتمكن بعدها بيوم من مقابلة قائد الانقلاب، ويخبره إنه قضى على عصابة وأمامه عصابة أخرى هي «بعض ساسة لبنان»، ثم يشرح كيف اتصل برؤساء الألوية جميعهم، وطلب منهم الزحف إلى دمشق من أربع جهات و»احتلالها» في ساعة واحدة، وأنه «لم يستفسر أي منهم عن حقيقة الأمر»، وبدأت الجيوش، «وهي من الاحتياطي الموجود في الجبهة، الزحف على دمشق وبدأت الاعتقالات». ينتفض الزعيم فجأة خلال المقابلة ويقول للصحافي إن صحيفته «الزمان»، قالت عنه إنه «غبي ضيق التفكير. كيف تكتبون هذا؟».
يكتشف زكريا أن نذير فنصة، وهو صحافي وعديل لحسني الزعيم، كان من أهم الأشخاص الفاعلين في فترة الانقلاب الأول، وأن أحد محركي الأحداث في الانقلاب الثاني، كان أسعد طلس، أخو عديل سامي الحناوي، قائد الانقلاب.
قابل زكريا الحناوي في الحجرة نفسها التي قابل فيها الزعيم، غير أن لقاء الحناوي كان لطيفا بعكس الزعيم المتعجرف، وكانت لغة الزعيم «عربية سليمة تمتاز بالعنف والقوة والشدة»، بينما كانت لهجة الحناوي «شامية خالصة» (طبعا لم يميّز الصحافي اللهجة الحلبية من الدمشقية)، وقد تتابعت المقارنات حول طيبة الحناوي وتواضعه، مقابل الترف والأبهة والحفلات الراقصة التي كان يقيمها حسني الزعيم، ولكن الصحافي ينتبه إلى أن الاثنين سألاه السؤال نفسه: أرأيت الشعب ومقدار سروره؟
يقول المؤلف إن سكان دمشق رحبوا بقدوم الحناوي، ولم يحزنوا على موت الزعيم، وكلمتا السرّ في ذلك كانتا: أعمال القمع والتنكيل وقصص البذخ والترف.
يتحدث جمعة عن زملاء مصريين آخرين كانوا موجودين في سوريا، ومنهم سعد التائه، الذي صدر أمر باعتقاله لأنه كتب كلاما لا يسر القائمين بالانقلاب الثاني عن طريقة إعدام الزعيم ومحسن البرازي، ومنهم أيضا محمد حسنين هيكل، الذي نجح في تضليل مراقبيه، ووصل إلى منزل زوجة حسني الزعيم، ويتحدث عن تخطيطه، مع هيكل ومحمد يوسف لتهريب التائه إلى لبنان، وعن معاناة إبراهيم موسى مع الرقباء السوريين. يسجل جمعة مشاعر السوريين، التي انتقلت من الترحيب بالانقلاب إلى رفضه، بعد أن شاعت مثالب الزعيم واتجاه الانقلاب لتقسيم الناس إلى حكام عسكريين ومحكومين مدنيين، ويسخر جمعة من ترحيب أغلب الصحافيين السوريين بالانقلاب، ممثلا على ذلك بمقال لبشير منير في جريدة «المنار» بعنوان «دعوة الحق والقوة والحرية»، كما أنه يعرض مقالا لنجيب الريس يمتدح لاحقا انقلاب سامي الحناوي، ويسأل جمعة هذا السؤال الذي يكتسي، بعد كل ما حصل في سوريا بعدها، شكل الكوميديا السوداء: ترى ماذا تكتب الصحافة السورية إذا وقع في البلاد – لا قدر الله – انقلاب ثالث؟
قصر الزعيم وسجن المزة
يقدّم جمعة توصيفا لجلسة مجلس النواب التي قادت إلى الانقلاب، وكان نجمها فيصل العسلي، الذي تحدث عن انفجار تعرض له في بيته بعد انتقاده الجيش، وقد أيّده في ذلك رشدي الكيخيا وحبيب كحالة، اللذان طالبا بعدم تدخل الجيش في السياسة، لكن المرافعة الأكثر إثارة جاءت من أكرم الحوراني (الذي اشتهر بسمعة التخطيط والمشاركة في كثير من الانقلابات) حيث صرح تصريحا يربط الحادثة بحوادث إجرامية أخرى، مشيرا إلى أن «الحوادث لن تقف عند هذا الحد. إنها ستحرق الأشخاص الذي يشعلون النار»، فهل كان هذا دفاعا عن العسلي؟ أم تهديدا له؟
يتحدث المؤلف عن «شرور المكتب الثاني» (المخابرات السياسية) خلال حكم الزعيم، التي طالت المدنيين والعسكريين، وعن نكثه بوعده للسياسيين، إذ أصبح رئيسا للجمهورية، وعن غدره بحليفه أنطون سعادة، زعيم الحزب القومي السوري الاجتماعي، وتسليمه للسلطات اللبنانية التي قامت بشنقه، لكنه يتحدث أيضا عن الطريقة الهمجية، التي تم إعدام حسني الزعيم ومحسن البرازي بها، والتي شارك فيها ضباط وجنود سجن المزة، فهل كان موقف فارس الخوري، الزعيم السياسيّ المخضرم، يعبّر عن رأي أغلبية سياسية حين سأله الصحافي المصري: «هل تعتقد أن حسني الزعيم ومحسن البرازي كانا يستحقان الإعدام؟» فأجاب: «نعم».
وفي إشارة أخرى، يقول المؤلف إن سكان دمشق رحبوا بقدوم الحناوي، ولم يحزنوا على موت الزعيم، وكلمتا السرّ في ذلك كانتا: أعمال القمع والتنكيل وقصص البذخ والترف، وهو ما يتفحصه الكاتب، مشيرا إلى المبالغات الكبيرة التي حصلت، فقد أمرت حكومة الانقلاب الثاني بلجنة تحقيق مع «كل المعتقلين» وأمرت بالإفراج عنهم، فانتهى التحقيق في يوم واحد، ويستنتج أنه من غير المعقول، في هذه الحالة، أن المعتقلين كانوا بالمئات والآلاف، كما يزور سجن المزة أيضا فيصفه بأنه «بناء مقبض يبعث على الرهبة والخوف، وقد بناه الفرنسيون ولذلك فإن السوريين يشعرون بأنه أثر من آثار الاحتلال»، وينشر في الكتاب صورا لطلبة عذبوا ظلما ونكل بهم، لكنّ الصور، تبدو، في السياق الحالي السوري والعربي، مثيرة للتفكّه الأسود، والمقارنات المرعبة، فلا شيء في الصور يشير إلى تعذيب وتنكيل!
لا يستسلم الصحافي للشائعات التي دارت حول بذخ وترف الانقلابي الأول، فيزور «قصر حسني الزعيم» ليكتشف أنه ليس غير «فيللا» من طابقين، وأن هناك عشرات مثلها في شارع الهرم في القاهرة.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»