عود تسمية الشوفينية إلى الجندي الفرنسي نيكولاس شوفان، الذي كان مشهورا بولائه المتعصب لقائده نابوليون، فاستخدم الفرنسيون التسمية لوصف ظاهرة انتشرت في ذلك الوقت، سميت ‘عبادة نابوليون’، ثم صارت تطلق على كل تعصب أعمى للزعيم أو الوطن، لكنها مؤخرا صارت تشمل كل تعصب اجتماعي فئوي. في خمسينيات القرن الماضي كان السياسيون ينتقدون تصاعد الشوفينية القومية في العالم العربي، ثم شهدت المنطقة أواخر القرن تحولاً نحو شوفينية طائفية أضيق مما سبقها، لكن ومع انتهاء المرحلة الأولى من ثورات ‘الربيع’ منذ مطلع العام 2011، تشكلت شوفينية أخرى سدت عنق زجاجة المشهد السياسي العربي، اتخذت صوراً عدة، بعضها يشكل أزمة أخلاقية شديدة الخطورة على مستقبل أمة تعاني أصلا تخلفاً على عدة أصعدة، ما يجعل الصورة العامة قاتمة وداعية للتشاؤم. ولعل هذا الشعور بالانتماء السياسي أو الاجتماعي، الذي يؤدي لكراهية الآخر ويرفض قبول أية علاقة متكافئة معه ـ وهو أحد تعريفات الشوفينية – لم يكن ليجد أرضاً أكثر خصوبة من مجتمعات لها إرثها الطويل في الصراعات والنعرات كالمجتمعات العربية، بل أن بعض المجتمعات القطرية للمنطقة التي كانت تعيش نوعا من التعايش والتسامح العرقي والطائفي والفكري، باتت تزداد اشتعالا يوما بعد يوم، إثر تنامي شوفينيتها التي احتقنت بفعل تهديدات ‘الربيع’ وتصاعد استغلال الأنظمة السياسية للخطاب الديني، لحماية نفسها من تهديدات إرادة التغيير التي تنبع أصلا من شعور (أزلي) عند الفرد العربي أنه قُتل يوم قتل الثور الأبيض. اللافت أن الشوفينية تلك لم تعد تتحرك بصورة جمعية فقط، بل تتضخم فردانياً بصورة مخيفة، ولم يعد ذلك التحرك رهناً بالبروباغندا الإعلامية أو خطاب السلطة السياسية والدينية التي تغذيه، بل ان الأفراد صاروا يلعبون دورهم في تعميق احتدامه من خلال شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت، ويقومون بدورهم في التصنيف حسب الرأي ـ حتى لو لم يكن رأياً سياسياً- وهو ما يعد أضيق أنواع التصنيف وأشدها تطرفاً. الجديد في الأمر، أن شوفينية تلك المجتمعات انسجمت مع كل تناقضات و’فصام’ العلاقة بين الأنظمة والغرب. فبينما تلجأ الأنظمة القائمة إلى الحفاظ، بكل استسلام، على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، والتأكيد على ذلك في كل مناسبة ممكنة، بل أنها تغازل بشكل صارخ حلم التطبيع والتعايش مع إسرائيل، فإن تلك الأنظمة تتراجع وتنمي – عند شعورها بالخطر- كل مظاهر السخط والاتهام بالعمالة للغرب لكل جمع معارض يجد تعاطفاً دولياً من أي نوع، حتى لو كان إنسانياً محضاً، مع ما يعانيه ذلك المعارض من قمع وملاحقة. الجدير بالملاحظة أيضاً، أن تلك الشوفينية ليست حكراً على السلطات القمعية، بل أنها جلية وواضحة حتى في المعارضة والتيارات التي تواجه عداوة ضارية من تلك السلطات، خصوصا تلك التي تملك هوية أيديولوجية، كجماعات الإسلام السياسي والجماعات ذات الأساس الطائفي أو المذهبي، بل أن أي تشكيك من أي طرف من الطرفين ضد الآخر يعني تحول المشكك إلى عميل خائن ‘إرهابي’. الفرق الوحيد بين الطرفين، أن أحدهما يملك ترسانة من السلاح والصلاحيات القضائية تمكنه من القمع بقوة، أما الآخر فيملك ورقة الحشد والتصعيد المدني واستغلال أنه مستهدف بشكل حقيقي، ليكسب التعاطف ‘الهولوكوستي’. ولا أدل على فردانية الشوفينية المتصاعدة حاليا في المنطقة من اتجاه غالبية نخبها المثقفة إلى تدعيم الممارسات اللاإنسانية، بحجة أنها تحقق التخلص من التطرف والأسلمة، على الرغم من أن بعضهم يدعي الانتماء للمبادئ العلمانية والليبرالية التي تؤمن بشكل أساسي بالدولة المدنية وحرية التعبير. كما أن هؤلاء لا يتورعون عن دعم الثورات المسلحة التي قامت في بعض دول ‘الربيع’، حتى إن بدا أن بعضها لا يوافق المبادئ الإنسانية والســــياسية لهذين التيارين. ذلك يبدو أشبه بعهر سياسي يصطبغ بشعارات الفضيلة الذي تمثله تلك المبادئ – ويعكس تناقضا فاضحاً يتضح خصوصا في أن تلك التيارات الفكرية التي يفترض أنها ‘إصلاحية’ تقبع تحت وطأة أنظمة أوتوقراطية ذات صوت واحد، وتلك الأنظمة تشكك في ولاء ووطنية هذه التيارات عند اصطدامها بها، بل تجند ضدها أحيانا رموز السلطة الدينية (المطاوعة). بشيء من الصراحة، فإن ممثلي العلمانية والليبرالية في بقية دول العالم يدعمون إجمالاً احترام المواثيق الدولية للحريات وحقوق الإنسان، ويقفون ـ إن لم يكونوا طرفاً في السلطة- في صف المعارضة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، والحد من اتساع صلاحيات تلك السلطة، حتى عندما تكون هي أيضا علمانية ليبرالية. فيما يركز معظم ليبراليي وعلمانيي العرب على نبذ مكونات ‘الهوية الإسلامية’ لأي حراك سياسي اجتماعي، وكأن ذلك هو الهدف الوحيد من تلك المبادئ التي يدعون إليها، ما يؤدي إلى تأييد هؤلاء لأعنف الممارسات المناقضة لها، تحت ذريعة مكافحة الأسلمة والتطرف والإرهاب، وحينها لا عزاء للمبادئ الأساسية لليبرالية، وكأن التدين هو وحده ما يعترض مشروعها. الكل يريد أن يرى بعين واحدة وفي اتجاه واحد، وهو ما يعني أن شوفينية العرب، ‘ما شافتش حاجة’! ولن ترى سوى ما تريد أن تراه، وحتى عندما تسيل الدماء وتتناثر الأدمغة على شوارع الأوطان، فإن تلك العين لا ترى سوى أن الجسد الذي أسلم روحه لله، لم يكن ينبغي أو يحق له أن يقف في موقع الجريمة. وهذه ‘فاشية’ مكتسية بـ’مازوخية’ مريضة تستحق مقالا مستقلا.