«شوكة الراوي العليم» مجموعة الشاعر المصري مؤمن سمير: استراتيجيات التشكيل وحالات التماهي والانفصال

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوان «شوكة الراوي العليم» للشاعر مؤمن سمير هناك اتكاء على كتابة شعرية صعبة، لأنه يقترح مجموعة من المناحي المعرفية التي يصلح كل واحد منها لكي يصبح نافذة أو مدخلا لمقاربة الديوان في لغته ورموزه ومنطلقاته الفكرية، فقد تشد القارئ للوهلة الأولى مجموعة من المداخل المؤسسة في بنياته وأساليبه، منها النفس الشعري المملوء بالمعرفة الغنوصية التي تلحّ بوصفها خلفية أساسية للديوان، وتطلّ في قصائد عديدة، ومنها- في ظل الانطلاق من السابق- عنايته بالمقدس والمدنس، فهناك في قصائد عديدة من الديوان محاولة جادة لإسدال حالة من التماهي بينهما.
في قصائد الديوان هناك تماه بين المتعالي الأبدي والبشري، وهناك توقف لافت عند التنين والتيس والشيطان، وكلها جزئيات تؤسس سبيلا للمعرفة ينطوي على أسس خارقة للمعهود والمقرر من خلال الانضواء خلف نسق يزلزل الجدار بين المقدس والمدنس، ولكن التفكير المتأني يثبت أن المدخلين السابقين ليسا مقصودين لذاتهما، ولكنهما- عند مساءلة النص كيانا كاملا- مجرد وسيلتين لتأسيس المنحى الأكثر حضورا وهيمنة في الديوان، فهذا المنحى يحيل كل المداخل السابقة وما يتجاوب معها من رموز ودلالات إلى مجرد جزئيات وارتهانات بسيطة يوجهها حسب طبيعة وجوده، وحسب حالته، وحسب صورته التي تطل فاعلة من بداية نصوص الديوان إلى نهايتها.
في هذا الديوان هناك محاولة لكتابة سيرة شعرية لمعاينة الراوي أو الظل والشعور به وبأشكال وجوده، ولن تتم كتابة سيرة شعرية للظل – وهي الكلمة الأكثر حضورا في نصوص الديوان – إلا بالوعي بهذا الظل، والوعي بمراحله وحالات تماهيه مع الإنسان، في التنافر والتوحّد والهيمنة أو في وجود القسيمين منفردين، يحفظ لكل قسيم منهما حدوده ووجوده.

استراتيجيات التشكيل

في تشكيل الظل وإبراز ملامحه ومنطلقاته استندت النصوص الشعرية إلى مجموعة من الآليات الفنية والأفكار المعرفية التي يشعر المتلقي بحضورها، ولعل أهمها يتمثل في استراتيجية التغييب، والتغييب أو الغياب في النصوص السردية لا يعدو أن يكون آلية سردية كاشفة عن تنميط سردي، لكنه في النصوص الشعرية يكتسب وجودا خاصا، لأنه لا يكشف بقدر ما يخفي، فالصفات المسدلة بالرغم من كثرتها لا تنحو نحو التحديد، لكنها تفتح بابا واسعا للخيال من خلال صور تندّ عن التصور الواقعي، ولا يتحملها المنطق العادي.
ففي نص (البعيد في يقينه الصافي): «ستدخل روحه الغرفة الآن – ستحكي وأتضاءل – كنت قد وشمته على عظمة كفّي- وحطّت الريح على السقف – ورتبت الضلوع على مقاسها فنسيته – سيدخل حاملا أمي المكسورة من جرتها- فأس أبي الطائر – عرائسنا التي من القش- وصندوقا عليه رمل – ونقوش – سأغمض وأقول أيا ظلّي الميت – لحد الطوفان- أنا بانتظارك»، سيجد المتلقي أن هناك تآزرا بين الصيغتين (البعيد – واليقين) وصيغة (العليم) في عنوان الديوان للإيحاء بالمبالغة في كل صفة من الصفات، وكأنها تؤسس لحدودها القصوى، فالحضور هنا بفعل التغييب حضور مغاير، يكشف عن غياب الإنسان في مقابل الظل.
الديوان في مجمله مشدود لقضايا مربكة ومؤرقة، فالشعر ليس من ذلك النوع البسيط أو السهل، ولكنه شعر التداخلات والاندياحات العميقة بين الأشياء، ومن هنا يأتي الوعي بالظل ملتحما بهذا الحضور الخاص بالغنوصية، لأنه يؤسس من خلالها ثنائية فارقة بين الإنسان والشاعر، تتيح للشاعر إطارا يقرّبه من المعرفة، وتجعله يلتحم بالمقدس المتعالي. ومن خلال ما تكتسبه النقوش من قداسة أولى، فاسم الشخص السري أو الروحي منقوش منذ البدايات الأولى وبشكل أبدي مع الله في كتاب الخلق، وهذا الترابط أو التوجه يمنح تشكيل الظل خصوصية بها ملمح من القداسة والمعرفة.
تتمثل الاستراتيجية الأخيرة في تشكيل الظل نظرا لخصوصية الكتابة والوعي، في مرجعية الضمائر وتوزعها، فالقارئ يشعر أن هناك نوعا من القلق في مرجعية بعض الضمائر، وهو قلق فني للإشارة إلى حالات التداخل والتماهي، نلمح هذا التداخل أو تلك الازدواجية في مفتتح الديوان: «عندما سأموت – سيخرج الله حرابا وسهاما – وقطرات ندم وبكاء – ستطلع من هذه الرأس مقابر كاملة – يباهي بها أصدقاءه في عزلاتهم – ويقول انظروا ضنّ بأنقاضه على الناس – واختار أن يؤنس وحدتي – بألوان ومتاهات- بدلا من وجهي الذي يكبر – في طول الليالي وعرضها».
وفي الإطار ذاته تأتي قصيدة (حمامة تنظر خلفها) متجاوبة مع صفة الساحر التي أطلقتها الأم في توصيفه، وذلك من خلال الاشتغال على التأسيس القديم للأب بوصفه (ساحرا)، ومن خلال المرأة أو الساحرة التي يأتي حضورها في الديوان مرتبطا بالظل، وتشده محاولة ربطه بالأزلي والأبدي (تسحرني بعينين تطيران كل صباح لأعلى- وأنا خلفهما- وتهبطان جسدي- فيعود صفاء أخضر- وقلبي تفّاحة تتعصى على الظلام). فمفتاح النص هنا- في ظل المنحى الفكري- يتمثل في شيئين، الأول في الوصف (يا غريب)، والأخير (مفاتيح الأب) التي سقطت في حجر الغريب.
الظل في جزئيات ونصوص كثيرة من الديوان يرتبط بامرأة أو ساحرة لها صفات خاصة، فكأن هناك حالة من التداخل بين صفات الظل وصفاتها، وتوازيا بين هطول الظل وحضوره وهطولها وحضورها. ففي نص (في مكان قصي) هناك حضور للظل وللمرأة وللراوي الموزّع بينهما في رصده وسرده للحكاية، وفي رصده للتنازع الداخلي بينه وبين الظل. وحضور المرأة أو الساحرة في نصوص الديوان يلفت النظر إلى آلية اعتمدتها النصوص في اتكائها على عالم السحر والشياطين والأساطير مثل عواء الذئب لحظة اكتمال القمر، بالإضافة إلى عمليات الذبح الخاصة بالقرابين التي تقدم إلى الشيطان.

التماهي والانفصال

وجود الظل والإنسان بوصفهما قسيمين مختلفين في مقاربة الحياة والواقع يؤسس في نصوص الديوان ثنائية لا تتجلى على هيئة واحدة، ولكنها تتجلى في إطار هيئات عديدة وثيقة الصلة بطبيعة الظل، وطبيعة حضوره أو غيابه، وتوزعه بين الهيمنة أو الفاعلية والانزواء. وفي كل هيئة من هذه الهيئات تتشكل للظل والإنسان حالات من التجاوب والتنافر والتوحد والانفصال. تتجلى الحالة الأولى في غياب الظلّ، وما يوجده ذلك الغياب من توليد صور كاشفة عن الحياة بجهامتها وصعوبتها، لأن حضور الظل في الأساس أداة للحركة والتسامي نحو المقدس بعيدا عن المدنس، يقول الشاعر: «كلما غاب قلبي عن ظلي – تعلو شقوق الغرفة – تصير مراكب ورمالا – وبالونات غليظة – كلما اقتربت من الأعياد – تأخذ شبهتي في ساحة الصلب – وتسوقني من حدبتي لأخر المدينة».
شعر مؤمن سمير من خلال النماذج والاقتباسات الدالة يكشف عن كونه شعر الكتلة المعرفية الواحدة أو المرحلة الواحدة يقاربها من وجوهها العديدة، وفي كل مرة يحاول الإمساك بشيء جديد يتفلت ويتأبى عن الحضور في المقاربات السابقة. وربما يكون الجزء الأخير من الاقتباس السابق ذا أهمية في تجلية أو تأكيد موقف مغاير لطبيعة الظل، لأن الكتابة- الناتجة عن فاعلية الظل- تصبح وسيلة من وسائل إعادة الاتصال بالمتعالي والإحساس بالأبدية داخل الجنة الواسعة.
وإذا كان التوحّد يشكل حالتين أو هيئتين من هيئات حضور الظل، من خلال الهطول والسيطرة بوصفها مرحلة أولى، أو من خلال الهيمنة واكتناز وإضمار المغاير والمباين للأعراف، فإن مرحلة الانفصال بعد هذا الحضور المتكرر في كل مرة، تمثل حالة إضافية للحالات السابقة، تكشف عن تعري الذات بمفردها في مواجهة ومقاربة العالم، فهناك حدود لكل قسيم لا يتجاوزها.
النص يؤسس حالة من تكويم الرماد بعد الاشتعال، أو الموت بعد الحياة الدافقة والنابضة، وهذا الموت يصيب الجزئيات الموجودة المصاحبة لفضاء النص من خلال عقد المشابهة أو التأثر بالسياق العام، فحين يقول النص «بيتي هادئ هذا المساء – وأنا هادئ كبيتي – ونحن الاثنان – نشبه كلبة الجيران – كلما عادت من المقبرة – هدأت العاصفة – وكفت الطائرات حكاياتها – وأحنى العشب – رأسه» ندرك أن المدخل يمكن أن يكون ماثلا في المقارنة بين عنوان هذا النص، وعنوان نص آخر قريب أو شبيه في الصياغة، وهو نص (مساء غارق)، من خلال المقارنة بين الصور الجزئية الكاشفة عن الانفصال في (مساء عجوز) والصور الجزئية الكاشفة عن التوحّد بين البشري والأبدي، فنراه يقول في الأول (مساء غارق) «وإنما أشرت لهما أنا على صياد عجوز – تحطمت عظامه ببساطة – وساب خريطة على سطح الماء كأنها يد – والأغاني التي عادت من ساعتها ـ والنجوم المدفونة في جيب قديس – طائر- هي مركبه القديم – هي ابتسامته الغامضة».
يمكن أن نتوقف عند صورة واحدة وردت في النصين من خلال التباين، ففي النص الأول (مساء عجوز) نجد (كفت الطائرات حكاياتها)، وفي النص الثاني (مساء غارق) نجد (في جيب قديس طائر)، لنعرف حجم ومساحة التباين بين الحضور والغياب، وفاعلية الحضور من خلال فعل الطيران بوصفه الحركة المستمرة بين السماء والأرض أو بين البشري والأبدي، وفاعلية الغياب ودوره بعد الانفصال والتلاشي في تشكيل وجود شبيه بالقصور الذاتي يستر تهافته بالسكون والوجود المنعزل.
وجود القسيمين على هذا النحو بعد انفصالهما، بوصفهما وجودين مقهورين في حلبة الحياة والصراع مع العالم والوجود، لا يعني أن هناك هزيمة للظل والإنسان في الآن ذاته، وإنما يكشف عن أن هناك تقليما لهذا الظل نتيجة للنزال أو عراكه مع الحياة لتثبيت مثله ومنطلقاته الأساسية، فلم تعد له تلك الفاعلية المرصودة له من البداية، ويمكن أن نقول بشكل قد يكون أكثر دقة أن منطلقاته أصابها شيء من التغيير نتيجة لعمليات الصراع والتحوير المتفلت بهدوء، ففي نص (الرشفة الضائعة) يتأسس هذا الفهم من خلال قوله «الغائب الذي ما زال يشدو للجحيم – عشرين عاما يجلس خلف الجدار- عاريا بلا جسد – ولا ظلال تؤنس خوفه – الملاك الذائب في جلدك – قصّ الطوفان أجنحته – واستغله المغامرون في قطع الطريق – وفي نسيان القبلة المسحورة». فالجزء المقتبس من خلال قصّ أجنحة الملاك أو الظل، ومن خلال تحوّله إلى أداة استغلال للمغامرين يؤسس للتحوّل في منطلقات الظل المثالية الأولى، وما يرتبط بها من قداسة وسحر وامتداد أسطوري لحالة الصفاء والانسجام الأولى.

مؤمن سمير: «شوكة الراوي العليم»
منشورات بتانة، القاهرة 2023
256 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية