خمسة مخرجين/جات في قراءات سينمائية لمشهد 17 تشرين الأول بين الأمس اليوم
بيروت-“القدس العربي”: وكأن دهراً فصل بين 17 تشرين الأول/اكتوبر الماضي و17 تشرين الأول/اكتوبر 2020. قبل عام كان الأمل يُشعل القلوب، والإحساس بأن التغيير بات قريباً شبه أكيد. ولكن.. قبل هجوم كورونا تمكن النظام الحاكم سياسياً واقتصادياً من تجديد نفسه، والبدئ بتنفيس الانتفاضة التي فشلت في التلاقي حول برنامج عمل. وحتى مع انفجار المرفأ حيث لم ينج سياسي أو مسؤول لبناني من تحمل تبعاته ولو جزئياً، رأينا النظام الطائفي قادرا على تعويم نفسه وتجديد شبابه. حتى وإن كان على بحر من دماء الشهداء والجرحى، وركام تعجز العين عن الإحاطة به.
غالباً ما ترصد عين السينما رؤيا مغايرة لعين سائر الناس. وخلال الشهر الأول من الانتفاضة تأبط كثير من المخرجين الكاميرا، نزلوا إلى الساحات لتدوين الحدث الذي شكل حلماً. إلى مجموعة من هؤلاء المخرجين توجهنا بالسؤال التالي:
*عام مرّ على المشهد البهي لإنتفاضة 17 تشرين الأول/اكتوبر، خلال عام كيف اختلف المشهد بعين الكاميرا؟
إليان الراهب: الطائفية شيطان بستة رؤوس
**المخرجة إليان الراهب: لم أرغب بحمل الكاميرا خلال مشاركتي في الثورة لتدوين أي مشهد. رغبت بعيش اللحظات كما هي وبالعين المجردة. لهذا ليس لي التعبير عن المشهد من خلف الكاميرا، بل من خلال الإحساس المباشر به. وهذا ما شاركت به من يتابعوني ومباشرة عبر صفحات التواصل بخاصة الأمكنة التي كان يغفل عنها الإعلام. لحظة الانتفاضة التي وصفها السؤال بالـ”بهية” صارت بعيدة، وهذا كان متوقعاً. ففي مسار التحولات ندرك بأن التغيير لن يكون وليد ليلة وأخرى. نحن حيال مشروع تغيير طويل الأمد. مشروع يراكم التجربة. في سنة 2011 حصلت بداية لمظاهرات ضد النظام الطائفي، وأزداد التراكم سنة 2015 إثر أزمة النفايات، وها نحن منذ سنة 2019 وإلى الآن نراكم على التاريخين السابقين. حتى وإن همد الشارع الآن ففي الوقت المناسب سيعود للانتفاض مجدداً. الانتفاضة مستمرة رغم صعوبة تغيير النظام الطائفي المتجذر. فلسنا حيال مقارعة ديكتاتور واحد كما حسني مبارك وزين العابدين بن علي على سبيل المثال. بل نحن حيال نظام بستة رؤوس كل منهم ديكتاتور. أي منهم لا يرضى بالرحيل إلاّ برحيل آخر قبله. هم شيطان بستة رؤوس، ليس لنا اقتلاع واحد دون الآخر. فكل منهم يغطي الآخر ومهما بلغت درجة كرهه له. كل منهم يدرك أن رحيل احدهم سيؤدي لرحيلهم جميعهم.
وترى: الوقت مبكر للتعبير عن الحدث الحالي فنياً. ركبت الأمور أحدها فوق الآخر. من كورونا، إلى الأزمة الاقتصادية إلى انفجار المرفأ الذي كان الأكثر قوة بين كل ما سبقه. وفي الواقع نحن لا نملك إجابات حول كل ما حدث، من الانفجار، إلى تصاعد أعداد المصابين بكورونا. ولا أشك بتهويل السلطة أرقام الإصابات، فهي لا تريد للمظاهرات أن تعود وخاصة في ذكرى الانتفاضة. وبالتأكيد الإقفال ممنهج لمنع المشاركة، ولهذا يفرح المعنيون ويهللون لمنع الانتفاضة من العودة إلى الشارع.
وتخلص للقول: عجن الإعلام وعلك كثيراً، وصورة الانفجار تلازمنا لشدة الأغنيات البائسة التي وضعها بائسون عليها. لهذا علينا التفكير بصورة جديدة، وتظهيرها يستلزم وقتاً.
هادي زكاك: تخيل المشهد المستقبلي مستحيل
**المخرج هادي زكاك: احتلت الصور حياتنا خلال عام. ودون أن يكون حاضرنا ومستقبلنا واضحين ثمة صورة تتخطى السواد. بتنا وكأننا أمام بازيل مكون من صور إخبارية، وصور من هواتف المواطنين مع “كادراج” وبدونه. صور ذائبة، أو صور بالطول أو العرض. صور تصلنا حتى وهي تتقطع. صور تقطع الرؤوس بدون وجود لمشنقة. صور فقيرة، لكنّها أحياناً غنية بمحتواها. صور مباشرة لا تحترم الخصوصيات، وصورة على الهواء تأكل “هوا”. وصور جوية تطير فوقنا وتنتهك داخلنا. صور رسمية “مقطشة” عبر المونتاج حَرقت بإضاءتها مصيرنا. بالنهاية كثرت الصور كثيراً وبتنا نرى أقل.
وأضاف: تخيُل أي مشهد مستقبلي مستحيل، فنحن وكأننا داخل نفق نهايته غير محددة. ولدت وعشت الحروب جميعها في لبنان من السبعينيات إلى الآن، مضافاً إليها كل ما يحيط بنا في المنطقة، والغريب أن ثمة أشياء بعد يمكن أن تفاجئنا أكثر. نحن نهوي بدون توقف، ولا ندري ماذا ينتظرنا تحت القعر. وهذا كله لا يمنع من تصوير الحاضر والواقع، انها التراكمات تتجمع، بانتظار تحقيق المسافة اللازمة منها لتقييم المرحلة. سوادوية الواقع قد تكون منتجة فنياً، إنما غير منتجة حياتياً. وكأن الإنسان يتجرد من حقوقه ومن المتطلبات التي يعيش ضمنها بهدف تحقيق راحة الحياة. وغالباً هذه الثورات والتحولات قد يكون لها أثرها الإيجابي في إنجاز عمل فني وبلغة فنية.
أمين درّة: أرى الصورة “فلو”
*المخرج أمين درّة وبعد أن زودني برابط لفيديو صوره ونشره على انستغرام صباح اليوم التالي لانفجار المرفأ تواصلنا ليقول: الرابع من آب/اغسطس غطى على كل ما سبقه. منذ عام وإلى الآن نحن في ارتفاع وهبوط والرغبة حاضرة لأي عمل يعيد للانتفاضة حيويتها. ولكن .. تدّب الخلافات بين أطراف الثورة وتتراجع الحيوية. بدأت الثورة بمطالب شعبية ووطنية مُحقة كسرت الحواجز والتابوهات جميعها. نحن شعب نرغب بوطن حقيقي، لهذا طرنا مع أحلامنا في الأسبوعين الأولين من الثورة، وكنا نسأل ذاتنا إن كنا في حقيقة أم خيال؟ رويداً رويداً بدأ الضغط الاقتصادي والأزمة مع المصارف، وخُلطت كافة الأوراق. الصورة التي أراها الآن غير واضحة “فلو”. نحن في حالة انعدام الرؤيا وليست لنا قدرة الرؤيا لأكثر من ساعة إلى الأمام، الواقع “ربّطنا”.
ويضيف: بالنظر إلى الأمور منذ عام وإلى الآن فالحلم باق، لكننا نعيش مرارة تراجعه للخلف، لكنه لن ينتهي. حلمنا بوطن فوق قيود الطائفية، وفوق دهاليز السياسة الـ”بلا طعمة”. نحن وطن يكتنز الطاقات والأفراد الذين يحلمون ويعملون لتحقيق التقدم، وإذ بالـ “كادر” الذي نحن بداخله يدفشنا إلى الخلف. وإن حققنا خطوة للأمام نُسجب عشر خطوات إلى الخلف. ومع تقدمنا بالعمر يطرح أحدنا أسئلة كبيرة، وبصراحة تامة لا رؤيا واضحة عندي حتى اللحظة. ولا جواب عندي إن كان ما قمنا به جيد أم لا؟ فالتحرك الشعبي محق، ومنطقي، ويطرح أسس وطن حقيقي. وإن حملت الكاميرا للتصوير الآن ومن خلال نظرة جديدة ستكون الصورة “مغبشة” أي “اوت اوف فوكس” أي العجز عن تحقيق الوضوح في الصورة. نشعر بالعجز حيال المرحلة، وبالنهاية سوف نتخطاها، والحافز مطلبنا المحق بتحقيق وطن بعيد عن الطائفية. نحن نحارب لتحقيقه حتى وإن اختلفت الوتيرة بين قوة ووسط وضعف. بوجود المطلب المحق لا تنضب الطاقة بل تتجدد على الدوام.
كريم الرحباني: إلغاء الطائفية صورة تلازم لا وعيي السينمائي
*المخرج كريم الرحباني: قبل عام من الآن كنت في برلين في إقامة فنية لثلاثة أشهر لكتابة سيناريو الفيلم الطويل الذي أعده. كانت أيام فيها الكثير من الصفاء والوحي والسعادة بما أنجزه. ودخلت انتفاضة 17 تشرين الأول/اكتوبر حيزها العملي، وليس لي قدرة التعبير عن المشاعر التي انتابتني. إنها المرّة الأولى أكون فيها خارج لبنان وأشتاق بإلحاح للعودة والمشاركة بما يحصل. كنت مؤمناً جداً بأننا بصدد تغيير جذري. وحدثت نفسي بالقول “يا ربي هذا ما كنا ننتظره منذ زمن بدأ يلوح ليصبح حقيقة”؟ حتى أن هذه الانتفاضة أعادت صياغة حياتي العاطفية، فصديقتي تختلف عني دينياً، والواقع الطائفي في لبنان عقّد استمرار علاقتنا فانفكت. شعرت بما حصل في وسط بيروت وكأنه يشكل اتحاداً بين مكونات الوطن جميعها. وقررت مواجهة الطائفية السيئة فكانت لي ثورتي الداخلية الشخصية والعاطفية، وأعدنا ربط ما انفكّ بيني وبين صديقتي.
وأضاف: في برلين شاركت بكافة التظاهرات التي نظمتها الجالية اللبنانية والشوق يراودني لأكون في لبنان. وعدت مع نهاية الإقامة الفنية، وشاركت في التظاهرات. في برلين كنت أرى التغيير قاب قوسين، وفي لبنان للأسف اعتدنا كشعب الإصطدام بالجدران وتلقي النكبات، فبدأ الانهيار الاقتصادي والمالي.. وأتى وباء كورونا. من خلال واقعيتي وبعيداً عن التشاؤم أو التفاؤل المفرط، أشعر بأننا حيال حالة سوداء بكل ما للكلمة من معنى. ايماني بقدرة الشعب اللبناني على التغيير يقابله الآن شعور بأن الأمر صعب جداً. كما أن أسئلتي كثيرة عن الثورة التي أطلقت بهجتنا بقرب التغيير. فمن أطلقها وأدارها مع الإقرار بمشاركة الكثير من المواطنين العفويين؟ وجاء انفجار المرفأ كضربة قاضية لنا ولأحلامنا المتبقية، فأيقظ فكرة الهجرة رغم معارضة الأهل. انفجار طال الكثير من الأصدقاء بالموت والجروح والتدمير. أما دهشة بعض الزملاء في السينما بالمشهد الذي خلّفه الانفجار في المرفأ وتعبيرهم “واو من أجمل اللوكايشن” أمر يؤلمني. فأنا أنظر إلى ساحة الانفجار لماماً.
ويتابع: كنت قد أنجزت سيناريو فيلم قبل 17 تشرين الأول/اكتوبر، أرى الآن ضرورة إعادة النظر فيه، فمستحيل بالنسبة لي إنجاز فيلم بعيد عن ما نعيشه. والآن فقط تفهمت الزملاء الذين يرغبون بتقديم المزيد من الأفلام عن الحرب اللبنانية. فهو تعبير ناتج عن وجع حتى بعد مرور سنوات. في لا وعيي السينمائي أتمنى أن تعود 17 تشرين الأول/اكتوبر وأن تنجح أهداف الثورة، وأن تُلغى الطائفية، وأن يُرمى الحكّام في النفايات. نحن نعيش ضمن فيلم تتكدس فيه الأحداث وننتظر النهاية السعيدة ولا تأتي.
ميريام الحاج: الثورة لم تنته والناس ستعود للانتفاض
*المخرجة ميريام الحاج: بعد عام من الانتفاضة أشعر بالحزن وخيبة الأمل. مع العلم أن الثورة خلّفت أشياء إيجابية كثيرة، لكننا لا نخفي أننا نعيش خيبة أمل وتعاسة ناتجة عن مشاهدة الناس وهم يتركون الوطن، وأن التغيير الذي كنا ننشده لم يصبح حقيقة. من جهتي بدأت التصوير خلال الانتخابات النيابية سنة 2018 فقد كنت آمل بالتغيير ولو بحدود دنيا. للأسف عادت الوجوه نفسها. صورت خلال الثورة وأنا على قناعة بقدرة التغيير في الشارع بعد الفشل في الانتخابات. الآن أسأل هل لثورة أن تحقق آمالاً كبيرة جداً كما حلمنا كلبنانيين؟ الواقع المحيط بنا يقول بأن التغيير تدريجي كما حصل في تونس. راقبت النضج الذي طرأ على الشخصيات التي صورتها منذ 2018 وحتى الآن، وكيف تبدّل وعيهم وانتفاضتهم على ذاتهم في مسائل كانت ترضيهم سابقاً. إذاً إن لم تحقق الثورة أحلامنا وطموحاتنا باعتقادي أنها غيّرت أشياء فينا. ولهذا كانت المشاركة في الانتفاضة، ففي جزء منها كانت انتفاضة ذاتية على أمر واقع كان بعضنا يرتضيه. هذا الاحساس وهذه الصورة أرغب جداً الاحتفاظ بها وأن أعيشها من خلال القناعات التي تحدثت عنها.
وتضيف ميريام الحاج: لم تنته الثورة لا تزال قائمة. حدث الانفجار وشعر أحدنا بالانكسار والهزيمة، وتركتنا نلازم المنازل ونقفل على ذاتنا، لأنه مسّ كل الناس. إذا المشهد الذي أراه أن الثورة لم تنته والناس ستعود إلى الطرقات، أو هم سيبتكرون سبل انتفاض جديدة. ولا حلّ أخر.