شَمُّ الذكريات!

أكتب على سند رقمي لمن يقرأ ويمرّ، ولمن يتوقف ويجد في الكلام من الحلو والمرّ، لكنّ ما شدّني في ما كتبت أني لمّا سلطت عليه نظري وجدت أن الكتابة يمكن أن تكون ورغما عنّا بخلفية علمية. اسمعوا ما كتبت: لا أدري أين كنت؟ ولكن يبدو أنّي عدت.. كنت حيث لا يكون المرء لا فريدا ولا وحيدا.. لا مشحونا ولا خفيفا، لكنّي كنت هناك في أقصى ما يمكن أن تصل إليه ساق متعبة.. لا أدري كم مشيت وحدي في حشد من الوجوه والأصوات ومزيج الأفعال، كانت تملأ عليّ كوني الذي يباع بالغربة ويشترى بالوحدة.. أكثر شيء كان يخرج إليّ من الذاكرة هي العطور.. رائحة الأرض التي خزنتها وأنا صبيّ لها عطور من أرقى ما نبت في السماء من العطور، كان أكثرها عبقا عطر الأرض حين تكون عطشى ويغدق عليها الوابل فيذكيها.

يعتقد ذهني الأعرج الذي يريد أن يبني لكل شيء علة أنّها رائحة الجنون بالفرح.. لست متأكّداً، ولكنّي أظنّ وأنا بين عقلي وجنوني إنّنا حين نسكر بالفرح نرسل روائح لا يشمها إلاّ من أحب فينا السكر مرّة، والجنون مرات.. رائحة الذين أحبهم تسكن في ذاكرتي هي عطورهم وهم يضحكون وهم يبكون وهم يصرخون وهم يلعنون وهم يصبرون.. رائحة الصبر عبقة في أرواح من أحبهم، ولاسيّما حين يصبرون على زخم الأيّام وثقل ما تحمل أذهانهم الصغيرة من الهموم.. أرواح من أحبّ في أحلك مراحلها تعصر عبقا سرمديا يقول لي وأنا أخزنه نحن يا أبي.. يا زوجي.. يا أخي.. يا ولدي.. يا حبيبي.. بألف عشق وبألف عطر.

ذاكرتي معطار ثلاثة أرباعها، أنواع من رحيق الذكريات.. فيها بناية كبرى شاهقة لعبق الكلمات.. أنا خزان لما يعبق من العبارات، ولكنّي أيضا منتج لأرقى عطور المفردات… هكذا يقول لي العابرون في ردهات حياتي، ويمضون فلا ينتظرون لا جزاء ولا شكورا… ينتظرون في طريقهم زخات من عطور..

لا أدري أين كنت؟ رحلت بعيدا كما يرحل الكافرون بالقبيلة، وهناك كان زادي عطوري.. هناك وأنا في كهف السكينة هجمت عليّ عطوري وتضوّعت من كل فجّ عميق، وأغرقتني وأنا في حدتي في ضجيج الذكريات. أصحو على أصوات باتت صداي في كلّ الأرجاء حملتُ منها أخف ما يحمل المسافرون: ما تضوّع من عبقها في زجاج فاخر من الكلمات.. تقول لي وهي ترشّ من عطورها على أصفر وجهي فيشرق: من هنا طريق العودة وتشير إلى أمكنة شتى تقود إلى المهجة.. شغاف الذكريات.. صميم الكلمات.. قلب السابحات التائهات العائدات المنتظرات سفرا أكبر إلى اللامنتهى..

ذاكرتي معطار ثلاثة أرباعها، أنواع من رحيق الذكريات.. فيها بناية كبرى شاهقة لعبق الكلمات.. أنا خزان لما يعبق من العبارات، ولكنّي أيضا منتج لأرقى عطور المفردات… هكذا يقول لي العابرون في ردهات حياتي، ويمضون فلا ينتظرون لا جزاء ولا شكورا… ينتظرون في طريقهم زخات من عطور..

هذا النصّ يمكن أن يصنّف في خانة النصوص الإبداعية، وتصنيفه هذا لا يرفعه ولا يضعه وإنّما يصنّفه. أن تصنّف النصّ هو أن تنسبه باعتباره عنصرا إلى جنس عام ينتمي إليه. وما يزال الإبداع عبارة غامضة، غير أنّها تستخدم في ردّ كلّ منتج أدبي أو فني راق إليه. غير أن الحديث عن الكتابة بما هي إبداع ليس فيه مقولة دقيقة، ولا تصنيف مضبوط. ففي النصّ أعلاه خلفيّة علمية تربط بين حاسة الشم والذاكرة ذات المدى الطويل. حين تمرّ بشخص يضع عطرا معيّنا فإنّك ستتفاعل معه سلبا سيعجبك عطره أو لا يعجبك، ولكن حين يمرّ بك من يضع عطرا ويذكرك بشخص كان يضعه ممن كنت تعرفه فهذا يعني أنّك خزّنت في ذاكرتك ذات المدى الطويل (أو الذاكرة الحافظة) كثيرا من أشياء شخص قريب منها عطره الذي يميّزه. في أغلب الحالات سوف تقترن رائحة العطر تلك بتنشيط صورة الشخص في ذهنك، ومن الممكن أن تنخرط في حبل طويل من الأفكار عن ذلك الشخص وتثير فيك الذكرى عواطف متداخلة لن تكفّ إلاّ بعد مدّة. يردّ العلماء القدرة الاستثنائية التي للروائح على استحضار الذكريات إلى أن النظام الذي يعالج حاسة الشم قريب من مركز الذاكرة في الدماغ.

هناك فرق بين التعرف على الشيء برائحته واستحضار الأحداث وبنائها بعد شمّ تلك الرائحة. يمكن للرائحة أن تكون بعد تنشيطها في الذاكرة مدخلا إلى تذكر الأحداث والأشخاص الذين ارتبطوا بها. في هذا الإطار يتنزل حديثي في النصّ الإبداعي أعلاه عن العطور التي خزنتها والعطور التي استحضرتها ومنها رائحة الأرض.

يلقّب العلماء قدرتنا هذه على استحضار الذكريات بالروائح باسم « تأثير بروست» Proust effect والحقّ أن هذه التسمية تطلق على تأثير الحس بصفة عامة وليس الشم فقط على الذاكرة. فالمنّبهات الحسية هي التي تجعل الذاكرة تنطلق من غير دافع صريح إلى استحضار حلقات من الأحداث المنسية. ينسب هذا المصطلح إلى الكاتب الفرنسي الشهير مارسيل بروست (1871 ـ 1922) لأنّه هو من استعمل عبارة قريبة من هذا المعنى وهو الذاكرة غير الإرادية في روايته الشهيرة «في البحث عن الزمن الضائع» وكنا في مقال سابق قد تحدثنا عن تذكر جدّته بمذاق قطعة المادلين. ونحن طبعا لن نعود ههنا إلى الحكاية القديمة إلاّ على سبيل المقارنة بين استحضار الكلمات للذاكرة عند القصّ وعند استحضار الحسّ لها.

للألفاظ والعبارات صلة بالذاكرة ذات المدى الطويل فهي مخزنة فيها وأيّ استعمال لكلمة، أو لعلاقة إعرابية تتنشّط في هذه الذاكرة. حين تقول لي هل تذكر عطر حبيبتك الأولى؟ ويكون لحبيبتي الأولى عطر خزّنته في ذاكرتي فإنّي سوف أنخرط في سياق من التذكر وأنا أجيبك باقتضاب أو بتفصيل عن هذا السؤال الذي هو قادح لغوي مباشر للتذكر، ويختلف عن القادح غير المباشر، قادح العطر في أن الذاكرة الحسّيّة هي ذاكرة مثيرة لما يوجد فعلا وقد خزّن فيها فإن أشم عطرا يذكرني بصديقتي القديمة فذلك لا علاقة له بالسؤال الدافع الذي طرح عليّ ودفعني إلى التذكر. فمن الممكن ألاّ أتذكر عطرها ولا وجهها ومن الممكن أنّها لم تكن تضع عطرا أصلا فمن أين لها وهي الفقيرة أن تشتري أرقى العطور؟ السؤال الذي يطرحه عليّ من يريد أن يعرف هو سؤال يكون التذكر فيه افتراضيّا؛ فمن الممكن ألاّ تكون لي حبيبة أولى أو من الممكن أني نسيت من تكون تلك الحبيبة الأولى، وفي سياق كهذا تظلّ اللغة مدخلا إلى ذاكرة افتراضية موجودة أو معدومة.

من الممكن أن تقود الروائح أيضا إلى ذكريات مؤلمة؛ إذ بيّنت بعض الدراسات الحديثة أن المحاربين القدامى يمكن – وهم يقرنون بين روائح الدم وغيرها من روائح الحرب – أن تكون لهم انفعالات مؤلمة وهم يتذكرون شيئا من تلك الحرب. لكن يمكن أيضا لرائحة العطور الراقية أن تثير في من يشمها ذكريات مؤلمة حين يتعلق الأمر بفراق حبيب بالحياة أو بالموت: لا أحد يتحكم في التداعي الذي تحدثه الروائح ولا المشاهد على ذاكراتنا وما ترتبط به من عواطف.

هذه نبضة عن الخلفية العلمية التي تقف وراء النص الإبداعي الذي صدرت به هذا المقال خلاصتها أنّنا يمكن أن نشمّ الذكريات. شمّ الذكريات هي عبارة استعملها بعض المتحدثين عن» أثر بروست» وهي عبارة تربط بين الفعل المثير واستجابته في عبارة واحدة قد لا تستسيغها ذائقة من تعوّد على أن يشم فلا يتذكر أو من تعوّد أن يشمّ فلا يخزّن.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية