شيء من الماضي… الحنين إلى الصمت

كثيرا ما تلح عليّ الذكريات. أكثر من أربعين عاما في القاهرة لكن أيام الشباب الأولى في الإسكندرية كثيرا ما تقفز أمامي. ليس لمضي الزمن ولا نوستالجيا العمر لكن لأن الحياة الأدبية كانت أسهل، والأدباء في المدينة كانوا وما زالوا لا يريدون إلا الكتابة تغنيهم عن العالم. أستطيع أن ألخص أيامي الأدبية الأولى في الإسكندرية قبل أن أستقر في القاهرة، في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، بأنها كلها كانت أياما حلوة بين الأدباء. كنا شبابا غضا لا منافسة بيننا على شيء، وكل هدفنا أن ننشر في القاهرة.
نلتقي كل يوم اثنين في قصر ثقافة الحرية، نتحلق حول السيدة العظيمة المرحومة عواطف عبود مسؤولة الثقافة في القصر ـ قصر الإبداع في ما بعد – نناقش ما كتبناه، أو ما قررنا من قبل أن نقرأه من كتب أو روايات، وتدعو هي من نريد من مشاهير القاهرة، وترسل إليهم أعمالنا القصصية مكتوبة بالحبر أو بالآلة الكاتبة، فيأتون لمناقشتها معنا. في هذه الندوات التقينا وجها لوجه لأول مرة مع كتاب وأدباء ونقاد مثل بهاء طاهر وعلي شلش والدكتور عبد القادر القط والدكتور محمود الربيعي ومحمد إبراهيم مبروك وعزت عامر وكمال ممدوح حمدي وفؤاد زكريا أستاذ الفلسفة وغيرهم من أساتذة كلية الآداب في الإسكندرية، مثل المعيدة أولغا مطر ذلك الوقت. لم تكن بيننا منافسة من أي نوع، لأننا كلنا نحتاج إلى الوجود الأدبي خارج الإسكندرية.
كانت بيننا أسماء نسيتها وأسماء أذكرها مثل، مصطفى نصر وسعيد سالم وعبد الله هاشم ورجب سعد السيد وسعيد بكر وفتحي محفوظ وسيد الهبيان وعطية مبروك، الذي كان من أسوان، والذي اشترك ذات مرة، في جائزة للقصة القصيرة في قصر الثقافة، وكان من بين الفائزين، وحين تم نداء اسمه قال المنادي «الكاتبة عطية مبروك» فظللنا نضحك شهورا. كانت لي معه تجربة جميلة، إذ بدأت هيئة الكتاب تنشر ترجمات سامي الدروبي لأعمال دوستويفسكي، كانت تُنشَر بالتوالي كل شهر تقريبا، وسعر الجزء منها بين ثمانين قرشا وجنيها. لم يكن معنا ما يكفي ـ كنا نستعير الكتب لنقرأها من بائع الكتب الشهير المرحوم «عم سيد» في محطة الرمل، نظير قروش قليلة ـ اتفقنا أنا وعطية على أن نشترك كل شهر في شراء جزء مما يتم نشره من أعمال دوستويفسكي، وفي النهاية نقتسمها بيننا. اقترحت عليه أن يقرأ هو ما نشتريه أولا ثم أقرأه أنا. بعد حوالي العام أو أكثر صارت كل الكتب عندي. ظللت حتي سافرت إلى القاهرة أنظر إليها وأضحك. كيف لم يدرك عطية أن ذلك سيحدث؟ عطية كان كاتبا مبشرا بحق، ولا أعرف لماذ توقف عن الكتابة ولا أين هو الآن. كذلك كان فتحي محفوظ، الذي عرفت بعد هذه السنوات الطوال أنه كتب رواية، وكذلك كان رجب سعد السيد، الذي نشر في مصر وخارجها قصصا ومقالات، وطبعا سعيد بكر الذي توفي مبكرا، وأطال الله في عمر مصطفى نصر، وسعيد سالم وكل الأصدقاء.

جلسات الأدباء في القاهرة مليئة بالأفكار الكبرى، والجميع بلا استثناء ضد سياسة أنور السادات.

من الذين كانوا معنا ترزي شهير لملابس النساء في الأنفوشي اسمه سعيد بدر، والمعيد السعيد الورقي، الذي صار أستاذا في قسم اللغة العربية في كلية الآداب، في ما بعد، وانتصار رجب وسلوى المحلاوي وغيرهم. وهنا أشكر صديق العمر الروائي مصطفى نصر، لأنه ذكرني ببعض الأسماء التي نسيتها، خاصة شخصا كان يحضر الندوات يحملق في سيقان البنات أيام الميكروجيب، ونندهش من حضوره فدائما مشغول عنا بما بين ساقيه، وكأنه يأتي ليشاهد النساء، بينما الدنيا مفتوحة في الخارج، ولا أذكر أنه قال رأيا مرة في كتاب أو قصة، يزيد عن كلمات مثل «حلوة» أو «مش حلوة أوي». كنا ننتهي من الندوة فنتجه نحن الرجال إلى شارع الشهداء نجلس في مقهى هناك، ونشتري ساندويتشات فول وفلافل من محمد أحمد، حتى جاء يوم كنت نشرت فيه أكثر من قصة في القاهرة، في مجلات «الطليعة» و»المجلة» و»الهلال». كنت من قبل عام 1969 قد حصلت على جائزة نادي القصة في الإسكندرية الذي كان مؤسسه الصحافي المرحوم الكاتب فتحي الإبياري، وفازت القصة التي كان عنوانها «حلم يقظة بعد رحلة القمر» بالجائزة الأولى وكانت المسابقة على مستوى الجمهورية، ونُشرت على صفحة كاملة في «أخبار اليوم» يوم السبت وفي مقدمتها كلمة للمرحوم محمود تيمور بعنوان «هذا قصاص موهوب» وحوّلها فتحي الإبياري إلى سهرة إذاعية في «صوت العرب». هل تعرفون كم كانت الجائزة؟  ثلاثة جنيهات وكأسا أبيض صغيرا تحسبه فضة وهو صفيح. لكنها كانت أجمل ثلاثة جنيهات في الدنيا، اشتريت بها صحفا يوم ظهور القصة في «الأخبار» ومشيت أوزعها على الناس.
كنا نحضر لقاء أدبيا آخر يديره أمين محكمة اسمه حسني نصار في مكتبة الشبان المسلمين، أو لقاء في بيت الصديق الناقد عبدالله هاشم، لكن لقاء قصر ثقافة الحرية هو الذي كان أكثر أهمية. قليلا ما كنا نرى محمد حافظ رجب، الذي كان يعيش في القاهرة، لكننا نعرف قيمته الأدبية وتجديده الأدبي، قبل من سُموا بجيل الستينيات، وكان هو صاحب صيحة نحن جيل بلا أساتذة. لم يكن معنا في جماعة القصة طبعا لوجوده في القاهرة، لكنني رأيته في أكثر من ندوة عامة. أذكر أنني بعد أن قرأت له مجموعته القصصية، التي أربكت الحياة الأدبية بطريقته في الكتابة، والتي تضرب كل ما هو مقدس في الحكي، وأعني بها مجموعة «الكرة ورأس الرجل» كتبت عنها مقالا في مجلة «سنابل» التي كانت تصدر من محافظة كفر الشيخ، واستمرت ثلاث سنوات بعد صدورها الأول عام 1969، وكان رئيس تحريرها الشاعر محمد عفيفي مطر، ومديرها الفني الفنان محمود بقشيش. كنت نشرت كما قلت قصصا أخرى في المجلات التي أشرت إليها، وكان ذهابي إلى القاهرة لأتقاضي المكافأة قد جعلني التقي بكتابها على مقهى ريش أو الأتيليه، وعرفت الكثير عن خبايا الحياة الثقافية. كذلك قابلت كتَّابا عربا كانوا يزورون القاهرة في بعض الأحيان، والأهم أنني كنت انضويت تحت قبة حزب شيوعي سري هو الحزب الشيوعي المصري، وانزلقت قدمي إلى السياسة، حتى تركته بعد خمس سنوات. وجدت أن جلسات الأدباء في القاهرة مليئة بالأفكار الكبرى، والجميع بلا استثناء ضد سياسة أنور السادات. لم نكن في الإسكندرية نتذكر أن حولنا سياسة. كل من قابلت في القاهرة كان تقريبا غير متوافق مع المجتمع، فقررت الرحيل عن الإسكندرية، وقلت لأصحاب عمري من الأدباء الإسكندريين ضاحكا، «إن في القاهرة أسبابا للفشل والنجاح، لكن هنا قد يكون الفشل إلهيا، فنحن ننتهي من الندوة، نلعب طاولة، ونأكل ساندوتشات فول وفلافل من محل محمد أحمد ونروّح مبسوطين والدنيا أكبر من كدا، أنا رايح للفشل أو النجاح». وجئت القاهرة، لكن بعد كل ما انجذت تلح عليّ الآن أيام الإسكندرية الحلوة. تأتي في صمت وتذهب في صمت. كم صرت في حاجة إلى ذلك الصمت القديم الذي لن يحدث.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية