يتكلم ابن خلدون في فصل من مقدمته عن طالبي الكنوز، أو بترجمات أخرى للمقدمة عن صائدي الكنوز، أو الباحثين عنها، وهم أناس شغوفون ومهوسون بالبحث عن الكنوز، يجوبون الصحارى والفيافي والجبال والأودية بحثاً عن الذهب والمعادن الكريمة المطمورة في باطن الأرض، أو المغمورة في الأودية والأنهار، وقد يحملهم ذلك الهوس والشغف إلى البحث عن تلك الكنوز لأيام وشهور، وربما سنوات لإيجادها.
وأنا أقرأ ما جاء في المقدمة، تذكرت حكاية حصلت معي قبل سنوات كنت استقل القطار من الرباط متوجهاً لمدينة مراكش، فإذا بشخص يجلس قربي، كان الشخص يلبس الجلابية المغربية، جلس بالقرب مني، وعندما تحرك القطار بدأ الحديث معي وعرفني عن نفسه، سألني من أين أنا، ولما عرف أني من عُمان، فرح بشدة وتفتحت أساريره، وقال لي بأنكم تعيشون على كنز وثروة هائلة، أرضكم عُمان منجم من الذهب والمعادن الثمينة التي لم تكتشف بعد، وقال لي إنه يتمنى منذ سنوات الذهاب إلى هناك، والبدء في استخراج تلك الكنوز المطمورة داخل الأرض. الرجل من الصحراء المغربية ويعمل في البحث عن المعادن كالذهب والفضة، حدثني عن مغامراته في الصحراء والجبال التي يقضي فيها أياما طويلة في سبيل إيجاد ذهب. سألته عن كيفية الاستدلال على تلك الكنوز المطمورة في باطن الأرض، أو المرمية على سفوح الجبال والأودية، أخبرني بأنهم يدرسون ذلك ويستخدمون علما خاصا يعينهم على تتبع تلك الكنوز، وهناك إشارات ورموز وربما خرائط وكتابات نستدل بها.
يصف ابن خلدون في مقدمته هذه المهنة وهؤلاء الشغوفين بها الذين يزعمون أن هناك الكثير من الثروات كالذهب والفضة والنحاس لا تزال مطمورة، ويحاولون أن يعثروا عليها، وفي اعتقادهم حسبما ورد في المقدمة، أن هؤلاء الصيادين يعتقدون بأن أموال الأمم السالفة وحضارات كالفراعنة في مصر والروم والفرس والقبط، لا تزال كنوزهم من الذهب والفضة والنحاس مخزّنة تحت الأرض ومختوما عليها بطلاسم سحرية لا يفض أختامها إلا من عثر على علمه، واستحضر ما يحله من البخور والدعاء والقربان. ويستخدمون في ذلك بعض الرسومات والخرائط التي يزعمون أنهم يستطيعون فك طلاسمها والعثور على تلك الكنوز، مستخدمين في الكشف عن تلك الكنوز فك الإشارات والطلاسم الموحية، التي ترشدهم حسب اعتقادهم إلى تلك الكنوز، وقد تختلف تلك الإشارات فمرة على شكل ثعبان أو طير أو العقرب وفناجين ودلة وسيف وبعض الثمار. يذكر ابن خلدون أن البربر من أهل المغرب العاجزين عن المعيش الطبيعي يتقربون إلى أهل الدنيا بالأوراق التي يزعمون بأنها من خطوط أهل تلك الدفائن، يستطيعون من خلالها العثور على ما دفنوه في الأرض من كنوز. ابن خلدون طبعاً يحارب ذلك ويعتبرها نوعا من السحر والخيال، ولا يمت بأي صلة للعلم، ويصف طلبة أو صيادي تلك الكنوز بأنهم من ضعفاء النفوس والدجالين.
يذكر ابن خلدون أن البربر من أهل المغرب العاجزين عن المعيش الطبيعي يتقربون إلى أهل الدنيا بالأوراق التي يزعمون بأنها من خطوط أهل تلك الدفائن، يستطيعون من خلالها العثور على ما دفنوه في الأرض من كنوز. ابن خلدون طبعاً يحارب ذلك ويعتبرها نوعا من السحر والخيال، ولا يمت بأي صلة للعلم، ويصف طلبة أو صيادي تلك الكنوز بأنهم من ضعفاء النفوس والدجالين.
أقرأ ما كتبه ابن خلدون عن صيادي الكنوز وأتذكر جدتي التي كانت تسرد لنا من الحكايات والأساطير عن عوالم بعيدة وعن كنوز من الذهب والفضة والدراهم توجد في باطن الأرض، أو في جزر في بحار ومحيطات بعيدة ويحرسها جان، ولا يستطيع الوصول إلى تلك الكنوز إلا من يستطيع ترويض الجان، أو من يملكون علما في ذلك. أتذكر ذلك الشخص الذي كان معي في القطار الذاهب إلى الصحراء في رحلة بحث جديدة عن تلك الكنوز وتستدعي الذاكرة ما شاهدته وقرأته، فتعجبت بأن صيادي تلك الكنوز لا يزالون يعملون وبنشاط في الكثير من الدول، فعلى سبيل المثال نشرت إحدى الصحف مرة خبرا يفيد بأن شائعة وجود ذهب نازي مخفي في ولاية بفاريا لا تزال تثير صائدي الذهب، للبحث عن ذلك الذهب المخفي. وثمة إشاعات كثيرة تفيد بأن الكثير من الذهب والمجوهرات للإمبراطوريات الأوربية الآفلة لا تزال مخفية في الأرض.
رغم أن تلك المهنة تقوم على السحر والدجل، كما وصفها ابن خلدون، إلا أن هناك صيادي كنوز من نوع آخر مختلف. هؤلاء الصيادون ليس لهم علاقة بالسحر، وهذه المهنة ليس لها علاقة بالأساطير والطلاسم، هؤلاء الصيادون يجوبون الصحارى والجبال أيضا، لكن بحثا عن ذهب من نوع آخر. النيازك المقبلة من الفضاء، وهي التي تمطرها السماء، سواء من القمر أو المريخ أو من الكويكبات الناتجة عن ارتطام بعض الكواكب مع بعضها والتي تتساقط على شكل حجارة. صيادو النيازك مجموعات أو أفراد ينشطون في البحث عن النيازك المتساقطة من السماء فعلى سبيل المثال في المغرب هناك الكثير من الشباب الذين يتعاطون وينشطون في هذه المهنة، بل أصبحت حرفة لهم بحثا عن نيزك قد يغير حياتهم، وقد تستمر تلك العملية أياما وأسابيع وربما لمدة سنة قد يجد أو لا يجد فيها الصائد شيئا.
تعود أهمية النيازك إلى قيمتها المادية والعلمية المرتفعة، وتستخدم في البحوث في علم الفضاء والكويكبات وتعتبر أحد الكنوز التي تغري لامتلاكها. وتعتبر عُمان من أكثر دول العالم في نزول النيازك عليها، وهي الثانية عالميا بنسبة 5% من مجموع النيازك المتساقطة عالميا، وتزخر الصحراء العُمانية، خاصة في جدة الحراسيس وظفار وشصر ورملة سحيمة ورملة وهيبة في محافظتي ظفار والوسطى بالكثير من النيازك النادرة، التي قد لا يوجد لها مثيل في أي مكان في العالم، إلا أن أغلب تلك النيازك لم تسلم من التهريب خارج السلطنة على يد صيادي النيازك استغلوا عدم وجود قوانين تجرم ذلك (صدر في عام 2019 قانون يجرم الاحتفاظ بالنيازك) فقد بدأت عمليات التهريب منذ الخمسينيات، حيث استطاع الخبراء الجيولوجيون من البريطانيين العاملين في شركات النفط تهريب قطع نيزكية مهمة ونقلوها إلى لندن. كذلك نشط صيادو النيازك في عُمان منذ عام 1999، وكانوا يأتون إلى البلد على شكل سياح منفردين، أو في مجموعات، ومن الهواة وعلماء الجيولوجيا والتجار وكان أغلبهم من روسيا وأمريكا ومن أشهرهم الأمريكي مايك فارمر، الذي انتهى به المطاف إلى السجن ومصادرة النيازك منه. أما صيادو الكنوز حسبما يصفهم ابن خلدون في المقدمة، الباحثون عن الذهب والفضة، فما زالت تلك المهنة كما اعتقد بأنها تدور في الخفاء وبعيداً عن الأنظار، من قبل صيادين فرادى ومجموعات يجوبون الصحارى وينشطون في بعض الدول، مستخدمين الكثير من الحيل والخزعبلات التي قد تصل إلى تقديم القربان والأضاحي في العثور على ما يزعمون أنها ثروات مطمورة ومختزنة في أماكن لا يدركها إلا القلة.
كاتب عماني