صالح بركات: بيروت مدينة مُدهشة وفقراء غزّة «ولعوها» بطوفان الأقصى

زهرة مرعي
حجم الخط
1

نجاح باهر لمعرض «فن من أجل قضية» واكتشاف بأن «فلسطين في القلب»

بيروت ـ «القدس العربي»: انتهى زمن معرض «فن من أجل قضية» في 11 كانون الثاني/يناير الجاري، وصالح بركات «صاحب كاليري ومقتني لوحات» ما زال مندهشاً بالإقبال الذي حظي به. بركات لم يصدق، ولم يسبق له أن رأى جمهوراً ينتظر أمام الكاليري في القنطاري لمشاهدة أعمال المعرض قبل رفعها. مع العلم أن بركات عريق ومتجذّر في مجاله.

في تعريف معرض «فن من أجل قضية» قرأنا أنه وضِع «أمام الجمهور ليكتشف قدرة الفن التغييرية، وقدرته على المشاركة. وتقديم الرواية التي تتعدّى الحدود وتُسمع من العالم أجمع». ويؤكد صالح بركات بأن تأثير الفن أزلي وله قدرة التغيير.
في معرض «فن من أجل قضية» الذي شغل الطبقة الأولى من كاليري صالح بركات، برزت لوحة «الملثم» للفنان أيمن بعلبكي جهاراً نهاراً أمام المارة، إلى أعمال أخرى تحكي قضية فلسطين من مقتنيات الكاليري، وتعود لحقب مختلفة. 51 عملاً فنياً تخلّد فلسطين وإنسانها المقاوم، والمرأة مكونها الأساس، فهي رمز الثورة.
مع صالح بركات هذا الحوار حول حيثيات ومسار المعرض:
○ من المؤكد أن معرض «فن من أجل قضية» لم يكن في سياق برنامجكم. كيف فرض نفسه إذاً؟
• فكّرت ملياً بعمل يحاكي بطولة غزّة. رحت إلى مجموعتي الخاصة التي جمعتها على مدار سنوات. فكانت الأعمال التي شاهدتِها لفنانين عرباً تضامنوا مع فلسطين تاريخياً. تذكّرت ما أملك، ومنها لوحة فاتح المُدرّس التي رسمها في القدس سنة 1966 وأخرى لعارف الريس رسمها بعد النكسة، إلى مجموعة رسمها ضياء العزاوي عن الفدائيين، وأخرى رسمها بعد مجازر صبرا وشاتيلا «نحن لا نُرى إلاّ جثثاً» وتغريد درغوث التي أنجزت معرضاً كبيراً جداً عن اقتلاع المستوطنين والجيش الإسرائيلي لزيتون فلسطين بهدف محو الذاكرة، وعملان لجمانة الحسيني رسمتهما بعد سقوط القدس، وأخرى لرفيق شرف، ولوحة لنزير اسماعيل رسمها بعد أيلول الأسود، ولوحة فوزي بعلبكي في «وداع الشهيد» وقنبلتان لكاتيا طرابلسي تجسدان فلسطين، و«الملثّم» لأيمن بعلبكي ولوحة لأسامة بعلبكي. بعد هذا النكش في ذاكرة مجموعتي وجدتها جاهزة لمعرض متكامل.
○ وهل كنت حينها بصدد تكوين مجموعة عن قضية فلسطين؟
• مطلقاً. الحقيقة أن كل من تلك اللوحات صارت ضمن مجموعتي في ظرف خاص. وعندما وضعتها بعضها مع الآخر، وجدت جامعاً مشتركاً فيما بينها، فكان المعرض.
○ كصاحب كاليري هل يشغلك أن تكون حاضراً في مناسبات معينة كمثل الإبادة التي تتعرض لها غزة منذ أكثر من ثلاثة أشهر؟
• لكل إنسان خياراته الخاصة. تلقيت تنبيهات من غيورين بالابتعاد عن المواقف على فيسبوك، وتجنباً للمقاطعة في حال مساندة فلسطين. فكّرت ملياً بالتنبيهات وقررت التصرّف بعكسها و«بق البحصة». ولمن يهمه الأمر كنا وسنبقى مع فلسطين حتى تحقيق العودة. ومن لا يعجبه موقفنا فله أن يقاطعنا. قناعتنا الثابتة أن المواقف في الحياة لا تُبدّل كما الملابس أو الأحذية. نحن عائلة تلتزم حق الشعب الفلسطيني في وطنه أباً عن جد، ورغبت تأكيد هذا الموقف بما هو ملموس وموثّق، فكان معرض «فن من أجل قضية». واعتبر فلسطين قضية العرب، وقضية المظلومين تاريخياً. وفي هذه المرحلة بلغ الظلم درجة من الوقاحة والسُّم، فوصفونا بالحيوانات البشرية، في حين أنهم وحوش، ونحن لم نكن نفهم وصف مصطفى الحلاّج لهم بالوحوش، وبرهان كركوتلي أول فنان رسم الصهيونية بموازاة النازية.

○ كصاحب كاليري رأيت في المعرض دعماً والتزاماً بقضية فلسطين وتعليقاً سوسيوبوليتكي. كيف تقرأ في هذا الوصف؟
• يُظهر هذا المعرض ما يعنيني كعروبي، وهي مقاربات ديناصورية. لم أر يوماً في فلسطين قضية تعني شعبها وحده، بل تعنينا جميعاً كعرب، ولهذا جمع المعرض فنانين من المغرب، والجزائر، وسوريا، ولبنان، وفلسطين والعراق.
○ وفي لوحاتك المختارة المرأة موجودة وتجسّد نضال مرحلة مرّت بين عقدي الستينيات والسبعينيات. ماذا تقول في هذا؟
• صحيح. وكانت المرأة رمز النضال، بعكس حالنا اليوم للأسف. نُحي من استعادوا كرامة العرب، وأعادوا قضية فلسطين إلى موقع الطليعة، رغم كوننا نرى هزيمة نكراء لهوية آمنّا بها. إنها الهوية المشرقية العروبية، المتعددة الطوائف والإثنيات، والتي صارت أثراً بعد عين. في الأعمال الفنية المرأة هي من تخوض الثورة وليس الرجل. في حين تمحوها الأصولية تماماً وتحصرها في الإنجاب. في هذا الظرف الاستثنائي الرهيب الذي نعيشه، رفعت الأصولية الدينية رؤوسنا. هو الواقع الذي نقرّ به. وفي استنتاجاتي ما يزال العرب يحبون فلسطين، وقبل وصولك كنت بصدد رد على سؤال من صديقة تعيش في الخارج حول المعرض. كتبت لها «انتهى معرض فلسطين وكان النجاح باهراً. تأثرت كثيراً لأنني اكتشف استمرار الشغف في مدينة بيروت بقضية فلسطين. بيروت مدينة مُدهشة.» نعم، فاجأني الإقبال على معرض في لبنان حيث الناس تجتهد لإيجاد قوتها، وحيث لا ماء ولا كهرباء. شكّل الجمهور ما يشبه التظاهرة نحو الكاليري. أتى الشباب زرافات ووحداناً، وكذلك كبار سن يستعينون بالعكازات. حتى في اليوم الذي كان يفترض تفكيك المعرض كان الناس ينتظرون في الخارج قبل موعد فتح الأبواب.
○ والحصيلة؟
• فلسطين ما تزال في القلب. كنّا حيال معرض لم نحضّر له لأشهر أو سنوات كما العادة. كما ولم تكن له دعاية وإعلان، والأهم أنه انطلق دون حفل افتتاح، ومع ذلك لم يخل المكان من الجمهور. عمري 35 سنة في هذه المهنة، ولم أر في حياتي منتظرون صباحاً للفرجة في يوم رفع اللوحات.
○ وهل غلبت فئة الشباب على الحضور؟
• بل كان الزوّار بين عمر 18 و88. وبعض كبار السن كانوا بالكاد يحملون أجسادهم. ربما يعود ذلك إلى حنين تاريخي من قبلهم من أجل الحق الفلسطيني، لكنّهم ومنذ سنة 1982 منكفئون يشعرون بهزيمة نكراء، ويتحسّرون في زمن كان التسابق على أشده للتطبيع مع الصهاينة، وفجأة جاء الطوفان. إنها غزّة المدينة الفقيرة، السجينة منذ 17 سنة دون مطار، ولا مرفأ ولا مال لدى ناسها، وبلحظة جعل ثوّارها «المسمار يتخلّع». ويستحيل بقاءه في المكان نفسه. حدث الزلزال، وهو فظيع.
○ ماذا تقول في القدرة التغييرية للفن؟
• قطعاً هو المكان المؤهل للتغيير. منذ 35 سنة أعيش حياتي مع الفن. وبالتأكيد التغيير ليس بكبسة زر. تاريخياً يأتي التغيير من ثلاثة أماكن، من الدين رغم صعوبته وندرته، كأن يشرّع بابا روما زواج المثليين، أو يقرر مفتي الأزهر تحديد بدء شهر رمضان عبر الوسائل العلمية، مكان التغيير الثاني يأتي من السياسة، كمثل تأييد بورقيبة وعبد الناصر حق المرأة بالسفور. فبعد عقود من حرمان المرأة من قيادة السيارة قرر محمد بن سلمان رفع هذا الحظر بكلمة، وتغيّرت المعادلة في السعودية. لماذا الفن وسيلة تغيير؟ عندما يكون الفنان في محترفه وحيداً، يمكنه أن يمسك بورقة بيضاء وينتج منها أمراً مهماً. إنتاجه قد يؤثر على 5 أشخاص، وهؤلاء بدورهم يؤثرون على 10 وهكذا دواليك، ونصبح أمام كرة ثلج. الفن ليس محصوراً بالرسم والنحت، بل بالثقافة عموماً. من أدب ومسرح وسينما وموسيقى. فعندما أنجزت جوسلين صعب فيلم «دنيا» الذي تناول ختان البنات قامت الدنيا في مصر. جرى تكفيرها وهربت على وجه السرعة. لكن الحكاية لم تقف عند منع الفيلم. بل أجبرت جامعة الأزهر التي كانت تتفرّج على المجازر بحق الفتيات، على الاعتراف أن الختان عادة لا صلة لها بالإسلام، وأنها عادة أفريقية. كُفّرت جوسلين صعب «كمسيحية متحشّرة بالدين الإسلامي» في حين اتكأ رجال الدين زمناً على جهل الناس بأن الختان ليس من عادات المسلمين لمزيد من التحكّم بحياة النساء.
○ بالعودة إلى لوحة «الملثم» في كاليري صالح بركات، و«الملثّم» التي حجبتها دار كريستيز عن المزاد. ما هو الفرق؟
• رسم أيمن بعلبكي بحدود الخمسة عشر «ملثما». وكل لوحة تختلف عن الأخرى. لكنّ دار كريستز قررت أن الملثم يرمز إلى المسلم الإرهابي، بينما يمثل بالنسبة لنا رمز الثورة والتحدي والعنفوان. أجبرت لوحة «الملثم» أكبر وأغنى مؤسسة في العالم لحجبها، نتيجة الضغط الذي مورس عليها. وصل الخوف أقصاه حين بلغ لوحة «الملثّم». من هنا هل تتخيلين مدى خطورة الفن؟ دون أن ننسى لوحة المقنع وتعبير ثائرون. ما قالته كريستيز هُراء. نعم نحن ثائرون على الظلم، لكننا لسنا إرهابيون، أو إرهاب إسلامي كما قالوا. رفعت كريستيز الملثم، ونحن منحناه الصدارة.
○ يبدو أن هذا المعرض أوصلك إلى نشوة النجاح كمقتني لوحات؟
• أبداً. كل ما اشتريته من أعمال فنية كان بقناعة شخصية، وبحب خاص لكل عمل، وما زلت على الدرب نفسه. الحقيقة أنه بعد سنوات طويلة من الـ«مياعة» تجاه قضية فلسطين، فجأة عاد وميض الثورة و«ولع» العالم. فإذا بمجموعة شباب فقراء دون سلاح حديث وحفاة يفجرون الميركافا كما وكأنها قنّ دجاج. إنها الإرادة والإيمان بالحق.
○ ألم تلتفت لتحذيرات الأصدقاء من المواقف المؤيدة لفلسطين وخوفاً على مصلحتك في هذه المهنة؟
• مطلقاً. أنا منحاز للفن. وأمس كتبت لرئيس جامعة انديانا الذي ألغى معرضاً للفنانة الفلسطينية الأمريكية سامية حلبي، إذ لا يجوز له خلط الفن بالسياسة. سامية حلبي اختارت الفن سلاحاً لها، فهل تريدها أن تحمل السلاح كبديل؟

أسماء الفنانين

ـ أيمن بعلبكي، وكاتيا طرابلسي، وجمانة الحسيني، ومحمد مليحي، ومحمد الرواس، وأسامة بعلبكي، وتغريد درغوث، وعبد الرحمن قطناني، ورشيد قريشي، وفاتح المدرّس، وبرهان كركوتلي، ومصطفى حلاّج، وضياء عزّاوي، وعارف الريّس، وفوزي بعلبكي، وحلمي توني، وتانيا بكليان ورفيق شرف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية