الهروب الذي لا يصدق للسجناء الأمنيين الستة من سجن جلبوع استقبل بعروض صاخبة من التفاخر الفلسطيني والحرج الإسرائيلي وبتكاسل غريب قليلاً في الشبكات الاجتماعية، وذكر أكثر من اللزوم لفيلم “جدران الأمل”. ولكنه فيلم شبه هولييودي يكشف عن إخفاقات تقشعر لها الأبدان من جانب مصلحة السجون، التي تخفي خلفها أخطاراً أمنية معينة. تحول السجناء الستة الفارون إلى أبطال وطنيين في المناطق. فنجاحهم سيضخ ريحاً جديدة في أشرعة التنظيمات الإرهابية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وإذا انتهت مطاردتهم باشتباك مع قوات الأمن، فقد تعقب موتهم موجة عمليات جديدة. التنظيمات الفلسطينية في القطاع سبق وهددت باستئناف إطلاق الصواريخ إذا مست إسرائيل بهم.
يعرض الجمهور الفلسطيني هرب الفلسطينيين الستة كإهانة ثانية لإسرائيل بعد نشر صور الحادثة التي قتل فيها القناص برئيل حداريا شموئيلي، عندما أطلق عليه النار أحد نشطاء حماس على حدود القطاع من مسافة صفر. هذه القضية سترفع أسهم الجهاد الإسلامي، الذي معظم السجناء الفارين من أعضائه. أعضاء الجهاد مدعومون بشخصية تعتبر أسطورة بحد ذاتها، وهي زكريا الزبيدي، الذي كان من القادة في مخيم جنين في فترة الانتفاضة الثانية.
نجح الزبيدي في البقاء بعد هذه الفترة التي شملت مطاردة إسرائيلية طويلة له وصراعات عنيفة مع السلطة واعتقالات متكررة لدى الفلسطينيين وإسرائيل. وكان قبل الهرب، قد أثار اهتماماً دائماً، وأحياناً ادعاءات بأنه تعاون مع إسرائيل. في شباط 2019، بعد سنوات توقف فيها عن النشاط المسلح، اعتقله الشاباك بعد اتهامه بالتورط في سلسلة استثنائية من أحداث إطلاق النار إلى جانب محام من شرقي القدس ما زالت محاكمته مستمرة. الفارون الستة، وهم من منطقة جنين، تم تجميعهم لسبب ما في غرفة واحدة، في سجن جلبوع الذي لا يبعد سوى 15 كيلومتراً عن مدينة جنين، على الجانب الآخر من خط التماس المخترق على طوله. وكانت سلطات السجن نقلت الزبيدي بناء على طلبه إلى غرفة مع أعضاء الجهاد الإسلامي عشية الهرب. من المرجح أن الاستعداد للهرب استكمل قبل ذلك. الهرب بعد انضمامه فوراً سيدل على أن سجناء الجهاد اعتمدوا على المساعدة التي يمكن أن يقدمها لهم الزبيدي ورجاله بعد الهرب.
ولأن التحقيق الأساسي يقول إن الفارين ساروا في المسار القصير والمطلوب نحو شمال الضفة، لكن لم تُستبعد احتمالية أنهم سيحاولون اجتياز الحدود نحو الأردن. لذلك، تم تعزيز الحماية التي تكون خفيفة في الأيام العادية، على طول الحدود، وتم تعزيز التنسيق الأمني مع الأردن أيضاً. وأجريت تفتيشات أيضاً في قرى عربية داخل إسرائيل، والجليل، ومنطقة الجلبوع.
واعتبر شمال الضفة أيضاً منطقة صاخبة، وبشكل خاص مخيم اللاجئين في جنين، الذي عاش فيه الزبيدي قبل اعتقاله الأخير. مؤخراً، يتم الشعور بسيطرة متزايدة لخلايا مسلحة في المخيم، التي تمنع بشكل كامل أي نشاط للأجهزة الأمنية الفلسطينية هناك، وتستقبل دخول الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود بصليات النيران. في آب جرت أحداث كهذه قتل فيها خمسة فلسطينيين مسلحين في تبادل لإطلاق النار مع قوات حرس الحدود.
ثمة افتراض بأن السلطة ستطلب إبعاد نفسها بقدر الإمكان عن حبة البطاطا الساخنة هذه. إذا عثرت إسرائيل على الفارين فستضطر إلى محاولة اعتقالهم بنفسها. سيرافق الأيام القريبة توتر أمني كبير حول جهود للعثور عليهم. وإذا تعثر شيء ما فقد يتطور هذا إلى وجع رأس كبير للحكومة وجهاز الأمن.
في الوقت الحالي، تبدو هذه الحادثة هي الأزمة الأمنية الأولى الملحة لحكومة بينيت – لبيد، سواء لأنها تسلي الجمهور ووسائل الإعلام في إسرائيل، أو خوفاً من أن تتولد عنها عمليات تقليد في الجانب الفلسطيني.
كما هو متوقع، يظهر على الفور تذمر من المعارضة بشأن ضعف وعجز الحكومة الجديدة، التي فقدت كما يبدو الردع أمام التنظيمات الإرهابية. وقبل إن هذه الأمور لم تكن لتحدث في ولاية نتنياهو. يقع الهرب تحت مسؤولية وزير الأمن الداخلي عومر بارليف، ورئيس الحكومة نفتالي بينيت. ولكن من الجدير التذكير أيضاً بالدمار المنهجي والمتعمد الذي أحدثته حكومات الليكود الأخيرة في صفوف مصلحة السجون (بدرجة كبيرة أيضاً في قيادة الشرطة). مصلحة السجون دائماً هي الطرف الضعيف والمضطهد حول طاولة أجهزة الأمن.
لجنة التحقيق التي سيتم تشكيلها ستركز على الإخفاقات المباشرة التي مكنت من الهرب. وكشف يهوشع براينر في “هآرتس” سلسلة طويلة من العيوب الفظيعة، منها: إنشاء الغرفة فوق فراغ مفتوح مكن من انتقال سهل نسبياً من اللحظة التي تم فيها وضع القطعة المعدنية التي تم تثبيتها تحت المرحاض؛ وتجميع السجناء الستة معاً رغم أن ثلاثة منهم اعتبروا من ذوي الاحتمالية العالية للهرب؛ إضافة إلى نوم السجانة في برج المراقبة؛ كما أن مصلحة السجون لم تستخلص العبر من حفر نفق سابق تم كشفه في السجن عام 2014.
وثمة فشل استخباري كبير؛ فقد السجناء طريقهم للحرية خلال أشهر، وتبين من التحقيق أنهم هربوا في سيارة انتظرتهم على بعد بضعة كيلومترات من السجن. كل ذلك يقتضي إعداداً دقيقاً وتنسيقاً مع الخارج، الذي فوته الشاباك وأضاعه تماماً. هذه العيوب تعرض للخطر استمرار تولي مفتشة مصلحة السجون، كاتي بيري، لمنصبها.
في الخلفية، سيتم فحص مسألة أخرى، وهي سياسة الهدوء المصطنع التي تتبعها مصلحة السجون منذ سنوات. وهي مقاربة تسمح للسجناء الأمنيين بحرية العمل النسبي في السجون وتمنع استخداماً منهجياً لمشوشات تمنعهم من إجراء محادثات هاتفية، التي يتم تهريبها لهم بشكل دائم. أثناء العيد، بدأت مصلحة السجون بتوزيع سجناء الجهاد الإسلامي بين السجون في أرجاء البلاد. وهي خطوة واجهها السجناء بأعمال شغب. في كتابهم الممتاز “انتفاضة” يصف زئيف شيف وإيهود يعاري، أحد الأحداث التي بشرت باندلاع الانتفاضة الأولى. في 18 أيار 1987 هرب ستة سجناء من الجهاد الإسلامي من السجن في مدينة غزة، التي كانت في ذلك الحين تحت حكم إسرائيل. استمرت مطاردة الستة سجناء حوالي ستة أشهر، نفذوا خلالها عمليات دموية في أرجاء القطاع. خمسة منهم قتلوا. أما السادس وهو عماد صفطاوي، فنجح في الهرب إلى مصر. وكان أحد رجال الشاباك قتل في عملية مع أعضاء الخلية.
“كان الهرب الجريء نقطة انطلاق لأسطورة البطولة التي تراكمت بسرعة حول هذا التنظيم الصغير… كانت أعمال الفارين عود الثقاب الذي أشعل النار في كومة قش الضائقة والإهانة”، كتب شيف ويعاري. وبعد شهرين على قتل أعضاء الخلية، اندلعت الانتفاضة الأولى. التاريخ لا يكرر نفسه بشكل دقيق، لكن إذا لم تسيطر إسرائيل على الأزمة بسرعة، فقد تكتشف أن التنظيمات الفلسطينية عثرت مرة أخرى على عود الثقاب الذي بحثت عنه.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 9/9/2021