صحيفة إسرائيلية: حرب اللانهاية أم “الجزرات الإقليمية”؟ بايدن ونتنياهو في معركة “رأس برأس”  

حجم الخط
0

هرتسي هليفي ونصر الله، وهما شخصان يعرف أحدهما الآخر منذ زمن بعيد، يسيران هذه الأيام على شفا هوة. لا يريد أحدهما أن يسقط، ورغم ذلك فإمكانية السقوط واقعية. يشاهد البيت الأبيض المسرحية بأنفاس محبوسة. الخوف مزدوج: الأول، أن يسقط الاثنان؛ أما الثاني فأن يسقطا عليهم.

 كل خطوة عسكرية تتم هذه الأيام هي نوع من الإشارة: عندما تهاجم إيران باكستان فهي تحذر إسرائيل من أنها إذا وسعت القتال من لبنان فستطلق الصواريخ نحوها، وعندما تصفي دولة مجهولة مسؤولاً إيرانياً في سوريا فإنها تحذر الإيرانيين من استعدادها لمواجهة مباشرة.

 الدراما الدائرة على الحدود الشمالية تقترب من الحسم. طرف ما في معركة الاستنزاف المتبادلة، الطرف الإسرائيلي، يبدي بوادر استنفاد. يخيل أنها تقترب من الحسم في جبهات أخرى أيضاً: في المواجهة بين نتنياهو وبايدن، وفي جهود تتجدد لتحرير المخطوفين، وفي الجبهة السياسية الداخلية. كله مترابط.

 حاك الأمريكيون رزمة مركبة، إحدى الرزم الأكثر تركيباً وسبق أن حيكت في تاريخ الشرق الأوسط. في المرحلة الأولى، يفترض بالطرفين أن يوافقا على وقف نار في غزة لزمن محدد، وتحرير مخطوفين وسجناء، وتوسيع المساعدات الإنسانية لغزة. في المرحلة الثانية، يفترض أن يتوصلا إلى وقف شامل للقتال، وانسحاب إسرائيل، وتحرير باقي المخطوفين والسجناء، ومرابطة قوة دولية في غزة، وتسليم تدريجي لتحكمها سلطة فلسطينية معززة في ظل إشراك حماس في السلطة.

 الجزرة التي ستعطى لإسرائيل هي موافقة سعودية على التطبيع؛ أما جزرة السعودية فاتفاق دفاع بينها وبين الولايات المتحدة؛ وستكون جزرة غزة إعمار القطاع بأموال الدول النفطية؛ وستكون جزرة السلطة الفلسطينية بتعهد إسرائيلي وأمريكي لحل الدولتين.

 يفترض بالمسيرة أن تحل الأزمة في الشمال: لبنان يتلقى مساعدة أمريكية وعربية لاقتصاده المنهار، وحزب الله ينسحب حتى ما وراء الليطاني، والسكان على جانبي الحدود يعودون إلى بيوتهم.

 هل يمكن إصدار دعوات للاحتفال في ساحة البيت الأبيض؟ تماماً لا، وليس بسبب رفض يحيى السنوار فقط. فالخطة الأمريكية وضعت نتنياهو أمام بايدن في معركة رأس برأس. لا يمكن استبعاد إمكانية أن ينتصر نتنياهو في هذه الحرب– وكأنه ينتصر.

 كل شيء يبدأ في الطريقة التي رد فيها الشخصان على مذبحة 7 أكتوبر. بايدن صدم وتضامن مع إسرائيل ومد لها مساعدة غير مسبوقة، كما أنه توصل إلى استنتاج بأنه لم يعد يمكنه تجاهل المسألة الفلسطينية؛ فهي تضربه في الخارج والداخل- داخل حزبه وناخبيه. أما نتنياهو فتوصل إلى استنتاج معاكس: كل الفلسطينيين مرفوضو الاتصال ومحظور الحديث معهم، ومحظور إعطاؤهم قوة، ولا صلاح لهم. في هذه المرة، كان رد نتنياهو متوافقاً مع رد الشارع.

 رأى بايدن فرصة: سيحول المصيبة التي جرت في الغلاف إلى اتفاق يكون بطاقة دخوله إلى التاريخ؛ نتنياهو أيضاً رأى فرصة: سيكون الرجل الذي يمنع الاتفاق الذي يؤدي إلى إبادة الشعب اليهودي. المتهم بالإخفاق الأكبر سيصبح بطل الأمة. كان الصدام محتماً.

 هجوم نتنياهو على الخطة أدخل البيت الأبيض في حالة ضغط. ما العمل، هل نجرب إقناع الشركاء العرب بتخفيف حدة التعهد بدولة فلسطينية، أو العكس: نشر الخطة ومحاولة الحديث إلى الرأي العام في إسرائيل من فوق رأس نتنياهو؟ أي إدارة أخرى كان يمكنها أن تهدد إسرائيل بالإعلان عن إعادة التقويم. عندما اتخذ كيسنجر هذه الخطوة حيال رئيس الوزراء إسحق رابين، في آذار 1975 ارتفعت شعبية رابين في إسرائيل للحظة إلى السماء. في النهاية، اضطر رابين للتنازل. “وافق رابين في آب على تنازلات لم يوافق عليها في آذار”، قضى ايتمار رابينوفيتش في السيرة الذاتية التي كتبها عن رابين.

 لن يعلن بايدن عن إعادة تقويم. لا خطر كهذا في ذروة حرب يفتخر هو فيها بأنه يقف إلى جانب إسرائيل، بكل قلبه. لكنه كفيل بأن يعرض على الإسرائيليين بديلاً لما يعرضه عليهم رئيس وزرائهم: نتنياهو يعرض حرباً بدون موعد انتهاء، حرب الـ “عليّ وعلى أعدائي يا رب”؛ أما بايدن فيعرض تسوية فيها رهان كبير ومشاكل كبيرة، تسوية تتعارض ومصالحهم في هذه النقطة، لكن فيها أملاً أيضاً.

 لما كانت أمريكا منقسمة اليوم في كل موضوع، لشدة الأسف بالنسبة لإسرائيل أيضاً، فلنتنياهو احتمال معقول للانتصار. لن تكون صفقة؛ لن تكون مسيرة؛ لن يتحرر مخطوفون؛ لن يكون خروج من غزة وتهدئة في الشمال وفي الجنوب؛ سيستمر الابتعاد عن أمريكا، عن الغرب، عن الدول العربية السنية. مثلما في الصراع ضد النووي الإيراني سينتصر في المعركة، وسيهزم في الحرب.

 عندما أسمع خطاباً ملتهباً لنتنياهو في الموضوع الفلسطيني أتذكر أحد لقاءاته مع رفاق في الجانب الفلسطيني من حاجز إيرز. نحن الصحافيين نظرنا إليهما من النافذة. عرفات جاء بسيجارين كوبيين، هدية لصديق. أشعلا السيجارين ودخلا في سحابة دخان متصاعدة. تذكرت الفصل الأخير في “مزرعة الحيوانات” لأورويل، الفصل الذي يرتبط فيه الأعداء في وليمة مشتركة. ذاك المشهد لم يغير رأيي في عرفات؛ غير رأيي في نتنياهو.

ناحوم برنياع

 يديعوت أحرونوت 22/1/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية