تقف إسرائيل من أمس أمام حالة طوارئ أمنية. أصبح هذا هجوماً إرهابياً حقيقياً هو الأخطر من نوعه في السنوات الست الأخيرة. خلال أسبوع حدثت ثلاث عمليات دموية، في بئر السبع والخضيرة وأمس في بني براك، قتل فيها 11 إسرائيلياً وأصيب العشرات. نجح مخربون في ثلاثة أحداث مختلفة في الوصول بدون أي عائق إلى مراكز مدن داخل الخط الأخضر، وانطلقوا في حملات قتل. لم يسبق أياً من هذه العمليات تحذير معين. في هذه الأثناء، يبدو أن المخربين يسبقون قوات الأمن بخطوة، التي تظهر كمن يتلمس الطريق في الظلام. تعرض شعور المواطنين بالأمن لضربة شديدة.
حسب نتائج التحقيق الأولية أمس، فقد تحقق خوف من المخاوف الأساسية التي طرحت منذ عملية بئر السبع، وهو أن تجر أعمال المخربين العرب الإسرائيليين وراءها محاولات تقليد أيضاً من قبل فلسطينيين من الضفة الغربية. المخرب الذي قتل أمس هو من سكان قرية يعبد في منطقة جنين. فلسطينيان آخران تم اعتقالهما قرب مكان العملية للاشتباه بالمساعدة. شخص آخر قاد المخرب إلى مركز البلاد وزوده ببندقية “إم16”. ومشكوك فيه إذا ما كان الأمر في هذه المرة يتعلق بمبادرة شخصية لشخص واحد.
القتلة الذين عملوا قبلهم في بئر السبع والخضيرة كان بينهم قاسم مشترك، وهو أنهم كانوا مواطنين إسرائيليين ينتمون لداعش، اثنان منهم قضيا من قبل عقوبة بالسجن بسبب علاقتهما مع نشطاء داعش في الخارج. والثلاثة كان يمكن أن يكونوا تحت رقابة مشددة من “الشاباك”. في التحقيق ما زالوا يحاولون فحص ما إذا كانت هناك علاقة سابقة بين القاتلين من بئر السبع والمخربين في الخضيرة. مؤخراً، تم تنفيذ موجة اعتقالات في منطقة المثلث في أوساط مشبوهين بالعلاقة مع داعش. في الحادث الثالث في بني براك، بات واضحاً أن الأمر يتعلق بما يسمى “عملية إلهام”. انزلقت شعلة الإرهاب الجديدة أمس بصورة متوقعة إلى “المناطق” [الضفة الغربية] أيضاً.
سلسلة العمليات ستجبر الآن على تركيز الجهود بشكل استثنائي من قبل الحكومة وأذرع الأمن داخل الخط الأخضر و”المناطق”. حتى أمس، كان يمكن التمسك بسياسة الفصل التي تقضي بعدم إلغاء تسهيلات الحركة والعمل في “المناطق” قبيل شهر رمضان ما دام منفذو العمليات يأتون من داخل الخط الأخضر، أما الآن فلن يكون أمام الحكومة أي مناص لتغيير هذه السياسة. لا ريب أن رئيس الحكومة، نفتالي بينيت، يقف أمام أصعب امتحاناته منذ توليه لمنصبه في حزيران الماضي. بينيت يرقد في بيته لإصابته بكورونا. وإن تقليله من التصريحات وعدم انعقاد الكابنت، لا يسهمان في ترسيخ صورته كمسيطر على الوضع.
بالصدفة أو بدون، نفذت عملية الخضيرة في الذكرى العشرين على مذبحة ليلة الفصح في فندق “بارك” في نتانيا، التي قتل فيها 30 إسرائيلياً، وأدت بدورها إلى اتخاذ قرار بشن عملية “السور الواقي” في الضفة الغربية. في أوساط عدد كبير من الجمهور الإسرائيلي، تلك الأيام خلفت صدمة لا أحد يرغب بتجددها. كثير من الأشخاص في جيل أصغر من أن يتذكروا تلك الأحداث الفظيعة.
يكمن أحد الفروق هذه المرة في حجم التوثيق والسرعة التي يصل فيها إلى الشبكات الاجتماعية، ومن هناك بصورة أكثر مراقبة إلى وسائل الإعلام. في كل زاوية شارع توجد كاميرات، وما لا يتم تصويره فيها يتم تصويره بهواتف المارين. هذه المشاهد تشعل الخوف، وتزيد الضغط على الحكومة للعمل بسرعة وحزم. من المعروف أن المعارضة تلاحظ وجود فرصة لإحراج بينيت وأصدقائه، يئير لبيد وبني غانتس. ومن المرجح أن نشاهد في الأيام القريبة القادمة المزيد من المظاهرات الصاخبة ودعوات للانتقام، وربما محاولات للمس بفلسطينيين ومواطنين عرب في إسرائيل. ثمة أحداث مشابهة حدثت في أيار الماضي أثناء عملية “حارس الأسوار”.
سلسلة العمليات الأخيرة هي الأكثر خطورة منذ موجة عمليات الطعن والدهس التي بدأت في خريف 2015 وتوقفت بعد سنة ونصف تقريباً. في حينه، أطلق في الصحف على الهجوم الإرهابي “انتفاضة ثالثة”، لكن هذا التشخيص تبدد بعد فترة معينة. تم قمع العمليات في حينه بفضل جهود مشتركة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ولأن الشاباك والجيش طورا تكنولوجيا وطرق عمل مكنت من كشف خطط “الذئاب المنفردة” في الوقت المناسب.
ربما كان المخربون في هذه المرة حذرين أكثر، وقد يترك جزء منهم علامات مبكرة في الشبكات الاجتماعية. ولكن أصبح من الواضح الآن بأن الأمر سيحتاج إلى جهود كبيرة لإعادة هذا المارد إلى القمقم، لأن أفلام الفيديو التي تبين حدوث العمليات تبث عبر الشبكات والمواقع الفلسطينية، وتشجع آخرين على السير في أعقاب المخربين.
إشارة حماس
يتعقد الواقع على خلفية مواعيد قريبة: يوم الأرض اليوم، وبداية شهر رمضان في نهاية الأسبوع الحالي، ففي رمضان 2020 عطلت موجة كورونا الأولى والإغلاق الذي أعلن عنه في إسرائيل و”المناطق” [الضفة الغربية] جزءاً كبيراً من العبادات الدينية في أوساط الفلسطينيين. في 2021 تقريباً لم يُسمح بقدوم الفلسطينيين من الضفة إلى الحرم بسبب عملية “حارس الأسوار”. لكن الحساسية في هذه المرة تزداد؛ لأن مناسبات شهر رمضان وعيدي الفصح اليهودي والمسيحي تتقاطع. كما يحدث تقريباً مرة كل عشر سنوات.
وفق الرسائل التي تنقل عبر المخابرات المصرية والمبعوث القطري لإسرائيل، يبدو أن حماس تبث بأنها معنية بالحفاظ هذه المرة على الهدوء في القطاع. والسلطة الفلسطينية تخشى من القادم. القمة التي جرت بين ملك الأردن عبد الله ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) في رام الله، عكست خوفاً مشتركاً. فالزعيمان معنيان بالهدوء في شهر رمضان، وهما قلقان من أن يهز الاحتكاك المحتمل بين الإسرائيليين والفلسطينيين حكمهما. أمس، زار وزير الدفاع بني غانتس الملك عبد الله في عمان. وفي الأسبوع الماضي، كان هناك وزير الأمن الداخلي عومر بارليف، واليوم سيزور العاصمة الأردنية رئيس الدولة إسحق هرتسوغ. هذا هجوم دبلوماسي غير مسبوق وهو علني في معظمه. يبدو أنه يدل على ما هو مطروح على الطاولة.
حماس اليوم تنظم اعتصاماً كبيراً لإحياء ذكرى يوم الأرض على شاطئ البحر. يبدو أن البعد النسبي عن الجدار الحدودي مع إسرائيل استهدف تمكين قيادة حماس من السيطرة على ما يحدث. في المقابل، نعرف على الأقل عن ثلاث مظاهرات أخرى أصغر، التي يتم تنظيمها قرب الجدار. في السابق، حدث أكثر من مرة أن قادت هذه المظاهرات إلى انقضاض الجمهور على الجدار ومحاولة اقتحامه والمس بالجنود. يستعد الجيش مسبقاً على طول الحدود بقوات كبيرة نسبياً، إضافة إلى زيادة منظومة القناصة ووضع قادة كبار في الميدان. التعليمات الموجهة للقوات ستكون اتباع أكبر قدر من ضبط النفس لتجنب قتل زائد لمتظاهرين، الذي قد يؤدي بدوره إلى تصعيد إضافي.
بعد عملية الخضيرة، قرر رئيس الأركان افيف كوخافي، زيادة القوات في قيادة المنطقة الوسطى. فقد وُضعت كتيبتان نظاميتان في منطقة خط التماس، في جنين وقلقيلية وطولكرم، ووضعت كتيبتان أخريان في عمق الضفة، في منطقتي رام الله ونابلس، اللتين جرت فيهما مؤخراً أحداث كثيرة. يقول الجيش إن ضخ القوات هذا إلى المنطقة لمنع التصعيد يساوي تأثير زيادة القوات بالضعف بعد أن بدأ ذلك بالفعل. مع ذلك، يبدو أن الاستعداد المتزايد لم يساعد في إحباط عملية أمس. وقد تقرر أمس وضع أربع كتائب أخرى في الضفة.
يأمل الجيش أن يسهم تواجد القوات الكثيف، التي سيتم إدخالها إلى القطاعات المختلفة بشكل منظم، في ردع تنفيذ المزيد من العمليات في شهر رمضان. وجميع الكتائب التي وضعت الآن في الضفة هي كتائب نظامية. وإذا لم يحدث أي تصعيد بارز فلن يكون هناك أي استخدام لوحدات الاحتياط في فترة عيد الفصح. في الأشهر الأخيرة، هناك عمليات إحباط استثنائية في الضفة، وقد تم اعتقال 80 فلسطينياً من قبل الجيش و”الشاباك” منذ بداية السنة. ويتوقع الآن أن يزداد هذا العدد.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 30/3/2022