لاحظ بردنارد لويس، المستشرق البارز في الأجيال الأخيرة بعد صعود أردوغان، بأن إيران قد تصبح تركيا، وتركيا قد تصبح إيران، وقصده أن إيران في أعقاب رحيل نظام الملالي، كفيلة بأن تحقق الآمال التي علقت في حينه على اعتدال ومساهمة تركيا، بينما من شأن أردوغان أن يدهور تركيا الحديثة المعتدلة التي ورثها إلى الراديكالية الهدامة لإيران الثورية. وفي هذه الأثناء يتحقق التهديد من أنقرة لا من طهران.
إضافة إلى المصيبة التي أوقعها على بلاده، أثارت سياسته الطموحة جيرانه في الهلال الخصيب، وشبه الجزيرة العربية، والحوض الشرقي للبحر المتوسط، وتتبين أضراره في أوروبا. وسياسته تمس بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية. وأصبحت حماس وقطر وأذربيجان وحكومة السراج في طرابلس، حلفاءه الوحيدين.
يشكل في أوروبا تهديداً متعدد الوجوه. فقد أقيم حلف الناتو ووسع من الدول الديمقراطية كي يواجه الخطر السوفياتي (الروسي اليوم). وكانت تركيا شاذة قليلاً، ولكنها طورت مزايا ديمقراطية بالتدريج، وكان ممكناً الاعتماد على جيشها الكبير لاحتياجات الحلف. ومؤخراً، يدور الحديث عن تضارب تام بين المزايا الديمقراطية لأعضائه، ونظام القمع التركي. فعلاقات أردوغان الوثيقة مع روسيا، وشراء منظومات الدفاع الجوي التي تهدد طائرات الحلف، تشهد على نواياه. وخطوات أردوغان لتحطيم القيادة وإضعاف القوات المسلحة التركية تجعل مساهمتها كذخر عسكري تتآكل. وتدفع سياسته إلى الانهيار لمصداقية الحلف عند الاختبار؛ يدور الحديث عن “حصان طروادة” في الناتو.
ولا يحاول أردوغان حتى تمويله التهديد على المجتمع وعلى السياسة الأوروبية في مجالين حساسين: السكان الأتراك، واللاجئين. في أوساط ملايين الأتراك الذين هاجروا منذ السبعينيات إلى أوروبا، وأساساً إلى ألمانيا، تجري وبتشجيعه الفظ مسيرة تحول راديكالي تطالب بولائهم لتركيا وصلتم بالثقافة الإسلامية، على حساب مواطنتهم وسياق الاندماج. في خريف 2015 شجع أردوغان طوفاناً من نحو مليون لاجئ ولا سيما من سوريا وأفغانستان والباكستان إلى أوروبا. وفي ضوء انعدام الوسيلة الأوروبية للتصدي للمشكلة، توصل مع ميركل إلى تسوية “خاوة” صرفة، لوقف الطوفان مقابل مليارات اليوروهات. ومنذئذ وهو يستخدم قدرته علناً على أن يقتحم السدود مرة أخرى، كي يبتز امتيازات وأموالاً من الأوروبيين الخائفين.
إن خطره على المصالح الأمريكية واضحة، ومن الصعب الفهم لماذا يسلم الرئيس ترامب بعربدته. أضراره على الناتو تمس بالولايات المتحدة أيضاً. وإضعاف المجتمع الأوروبي من خلال مواطنين مسلمين راديكاليين وطوفان من اللاجئين، يمس بقدرة صمود الأوروبيين أمام روسيا ويعظم ميلهم القوي للمصالحة. صراعه ضد الأكراد يمس بالحلفاء المخلصين للولايات المتحدة في سوريا والعراق، ويؤشر إلى القوى المحلية ألا تعتمد على الأمريكيين. ويضاف إلى ذلك تهديدات “الإخوان المسلمين” بتشجيعه، على الأنظمة المؤيدة لأمريكا في مصر والسعودية والخليج والأردن، وسياسته المعادية تجاه إسرائيل. وفي البحر المتوسط أيضاً لا مصلحة للولايات المتحدة بالهيمنة التركية الكاسحة. والعقاب الأمريكي الوحيد – منع طائرات “إف 35″، بسبب شراء الصواريخ الروسية، لا يردع.
لإسرائيل حساب طويل مع مشعل النار اللاسامي من أنقرة. فهو داعم لحماس، حاول تحطيم حصار السلاح البحري على غزة ويسمح لناشط الإرهاب الكبير، صالح العاروري، العمل من بلاده برعاية جواز سفر تركي. يهدد الحلفاء العرب الأهم، ويقيم منظومة تحريض إسلامية عامة ضد إسرائيل في القدس ويبعث إليها بعملائه. أما في البحر المتوسط فيهدد ذخائرها الاقتصادية وحلفاءها.
أردوغان كريه ومعزول؛ تركيا هشة أساساً في المجال الاقتصادي. قبل نحو شهر خفضت دار الاستثمارات مودي التصنيف الائتماني لتركيا إلى B2، الأدنى منذ بدء القياسات قبل 30 سنة، أقل بـ 5 درجات عن مدرج الاستثمار. فضلاً عن التحريض القومي ووسائل القمع، يحافظ أردوغان على مكانته بفضل الوضع الاقتصادي المحتمل. هناك يمكن لجمه والمس بمكانته، ولكن المطلوب زعامة أمريكية لهذا الغرض، لكن ترامب لم يتقدم بها بعد، ومن شبه المؤكد لن يرغب بايدن في توفيرها.
بقلم: دان شيفتن
إسرائيل اليوم 13/10/2020