المظاهرة التي جرت في القدس أمس لم تكن احتجاجاً ضد الوضع الأمني بل كانت احتفالاً بالنصر؛ فالطاقات المتسامية انعكست من شاشة التلفزيون. ثمة جهود استثنائية استثمرتها كتلة نتنياهو في تحطيم كتلة “يمينا”، وكانت المهمة، أمس، أقرب من أي وقت مضى لاكتمالها، وليس لك إلا أن تستمع لشهادات العضو الجديد في الكتلة، عيديد سيلمان على ما فعلوه بها: تهديدات جسدية، وشتمها وشتم أولادها، وعروض مغرية. على هذه الأمور اشتكت رئيسة الائتلاف، إلى أن استسلمت لها، في ظل حصولها بالطبع على الثمن السياسي المطلوب. من وفره ذلك الثمن، في حديث استمر حتى الفجر، هو عريس المظاهرة والمساء؛ فقد كان لبنيامين نتنياهو ليلة طويلة: خاض مفاوضات مع سيلمان حتى الساعات المبكرة من الصباح”، وقد بدا تعباً ومنهكاً ومسح أنفه المرة تلو الأخرى. خطاب المنديل الذي أدلى به كان النقيض التام لميزة حاسمة في السياسة الإسرائيلية منذ عقود: حظ بيبي الذي يهبط أمام قدميه دوماً. فهذا ليس نتنياهو الذي وظف الزمن والاهتمام بسيلمان وبرفاقها في كتلة “يمينا”، بل يريف لفين والنائب بتسلئيل سموتريتش.
في حديث طويل تناوله أعضاء “يمينا” في مكتب رئيس الوزراء، أمس، طرحت فكرة مشوقة: فقد قال رفاق سيلمان إن كل واحد منهم وعد على حدة بوجود فارّ من الائتلاف، باستثنائهم. والمعنى أنه كان يمكن ليدهم أن تحسم وتأخذ إسرائيل إلى الانتخابات؛ لأن هناك يداً أخرى وقعت وحسمت إلى جانب المعارضة. هذه هي المناورة الأكثر تآكلاً في القصة. “كانت سيلمان هي التي صدقتها”، قال محفل في الائتلاف، “لعلها فكرت أنه في اللحظة التي تعلن فيها، سيأتي واحد آخر على الفور. أما هذا فلم يحصل في هذه الأثناء”. العبارة الأساس هنا هي “في هذه الأثناء”. وكان يمكن لهذا أن يتغير في غضون ساعات.
ليس هناك شيء متوقع أكثر مما حصل أمس. حكومة بينيت لبيد حكومة بـ 61 نائباً وترتبط منذ اللحظة الأولى بخيوط غليظة، مصلحية جداً. كتلة رئيس الوزراء وهو نفسه تعهدا ألا يشكلا حكومة بمثل هذه التشكيلة. أولئك هم الانتهازيون الذين يبنون ويسقطون حكومات في إسرائيل، والنائب يريف لفين، الذي يبدو أن الليكود على استعداد لمنحه جائزة نوبل مع وسام الجسارة– رأى بأن سيلمان قد توفر البضاعة. منذ أسبوعين تقريباً ونواب في المعارضة حذروا ألا يهاجموها بغضب كما حصل عند إقامة الحكومة.
كان هذا قبل موضوع الخمير في المستشفيات، وعلى أي حال لا معنى لمزيد من الكلام عن ذلك. بيبي وسيلمان لم ينشغلا في الساعة الثانية صباحاً بالخمير أو بالهوية اليهودية لدولة إسرائيل: إنما تحدثا عن ضمان المقعد وعن الحقيبة الوزارية التي ستحصل عليها. كانت سيلمان ستسقط الحكومة حتى على إنفاذ القانون في النقب، ونقص سيارات دوريات حركة السير في الجليل الغربي أو شقوق في الإصرار على سنة إعفاء زراعة في المجلس الإقليمي “غيزر”. محق من يقول في اليمين إنه لا مجال للشكوى من ذلك: رئيس حزبها تنكر لوعده للناخبين وأصبح رئيس وزراء، وهي تنكرت بوعدها وستكون وزيرة صحة (إذا رغب بيبي في الإيفاء بوعده بالطبع).
يقال في صالح بينيت إنه أخذ أمس المسؤولية؛ فهو لم يتهم مستشاريه في المكتب، أو النواب، أو حتى سيلمان. قال بنفسه لشركائه: لم أبذل جهداً كافياً في العمل السياسي الداخلي. هذا الاعتراف صادق ونزيه، ولكنه لن يغير الكثير. لقد أدمن بينيت على أدائه كرئيس وزراء “مهني”. لا شيء كهذا في إسرائيل، فسواء كان اسمك ارئيل شارون أو بنيامين نتنياهو، فأساس الوقت يكرس للحفاظ على القوة والائتلاف. كان بينيت يحتاج لمكالمات أقل بقليل مع رئيس أوكرانيا زيلينسكي وأكثر بقليل تزلف لسيلمان وزوجها؛ مداولات أقل حتى الليل عن الكرملين وأكثر عن كيف يمكن إغداق الدلال على أعضاء “يمينا” المحاصرين اجتماعياً أكثر من أي وقت مضى. كي يضمن أن يبقى رئيساً للوزراء كان له عمل واحد فقط، وهو الحرص على أن يكون خمسة أشخاص، هم أعضاء كتلته، سعداء بقدر الإمكان، ومعانقون حتى نسمع طقطقة عظامهم. أما هو فما الذي فعله؟ فوت جلسات كتلة، تجاهل أعراض التحذير من سقوط الائتلاف في التصويت. كان هذا إهمالاً فاخراً، استثنائياً.
لقد فقد الائتلاف الحالي أغلبيته، وبالتالي فإن حل الكنيست هو الإمكانية الأكثر معقولية. يمكن لهذا أن يستغرق وقتاً ما لم يكن هناك فارّ آخر (الليكود يعد بوجوده، وهو أو هم سيظهرون قريباً جداً). لقد حاول بينيت أمس كبح الانجراف، وأجرى لبيد صيانة مهمة مع كتل الائتلاف، والحكومة تستعد الآن لفترة جديدة: مشاريع قوانين أقل، وتصريحات موضع خلاف أقل، وقطن حلو أكثر لنير أورباخ. هذا هو الانتقال لوضع توفير البطارية، وضع أساسي، وعديم الطموحات الزائدة، ولكن إلى متى؟
بقلم: نداف أيال
يديعوت 7/4/2022