في البداية، أنسانا الهدوء الصحراوي خلافات الرأي التي سمعت قبل بضع ساعات من ذلك في القدس. فقد هبط في قاعدة سلاح الجو “نباطيم” أربعة وزراء خارجية دول عربية، لم يكن لأحد منهم فكرة ما الذي سيشهدونه من فظاعات في ساعات المساء عند سماع أنباء على عملية إجرامية في الخضيرة.
وصل عبد اللطيف الزياني من البحرين، وسامح شكري من مصر، وعبد الله بن زايد من الإمارات، وناصر بوريطة من المغرب. وقدمت سيارات الليموزين التي تقطع الصحراء البضاعة اللازمة لكتيبة المصورين الذين نزلوا جنوباً إلى “سديه بوكر”. أربعة مندوبين عرب كبار جاءوا إلى إسرائيل لمؤتمر سياسي، إلى “كيبوتس” مؤسس الدولة في مشهد لم نره من قبل. دافيد بن غوريون الذي يعتبرونه، زعماً، الساطي على أرض فلسطين، وكأنه محدث النكبة، ها هم قد جاءوا إلى قبره. قبل سنوات، أرادت هذه الدول التي يمثلونها إبادة إسرائيل. وها هو نجاح الدولة اليهودية النيزكي يدفعهم للتودد لها. الآن نية وزير الخارجية لبيد جمع كل اللاعبين في قلب النقب، وتوحيد التعاون الثنائي إلى كتلة منسقة تعمل معاً وعلناً.
إن الابتعاد عن المراكز المدينية إلى واحة الصحراء قد تنقذ مشاركي اللقاء من خطوات ما كانوا مستعدين للقيام بها. وقد أضيفت إلى هذه الحيلة اللطيفة وليمة عشاء مغلقة شارك فيها الوزراء الستة فقط. المغنية العربية الإسرائيلية، فاليري حماتي، غنت “هللويا” بثلاث لغات، ومن حظ الوجهاء أنهم لم يضطروا للخروج إلى المجال الصحراوي الذي ساد خارج الفندق. أفراد الشرطة والحراس وحدهم هم من عانوا منه.
سواء نجح المؤتمر أم لا، لا أحد يعرف قبل العملية. فقد قال مصدر سياسي إن هدف “قمة النقب” هي بلورة “معمار أمن إقليمي” بين إسرائيل ومصر والمغرب والإمارات والبحرين.
أكد أن أشخاصاً في إسرائيل غير معنيين لتسمية التعاون الأمني بـ”حلف إقليمي”؛ مفهوم كهذا لا يزال حساساً في العالم العربي، ولكن الفكرة هي لأخذ التعاون الأمني، القائم على اي حال بين إسرائيل وكل واحدة من الدول وربطه معاً في كتلة مشتركة. “معمار الأمن الإقليمي” سيعمل في الجو والبر والبحر، ويقدم جواباً لتهديدات القرصنة أيضاً”، كما قال المصدر الإسرائيلي.
غير أنه سرعان ما غطى الواقع الذي حاول مشاركو المؤتمر الفرار منه على الهدف الطموح. فالتقارير عن الهجوم الذي حدث في الخضيرة، أمسكت بوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن وهو في طريقه من المقاطعة في رام الله إلى “سديه بوكر”.
كان بلينكن الوحيد من المشاركين في المؤتمر ممن مروا على ناكر الكارثة أبو مازن في طريقه إليه. فلم يكن هذا الأمر مهماً لوزراء الخارجية العرب أن يزوروا الزعيم الفلسطيني الشائخ، بينما كان مهماً للوزير اليهودي – الأمريكي.
إن لم يكن هذا بكاف، فبعد ساعات قليلة من العملية، قال الدبلوماسي الأمريكي رقم 1 بينما كان رئيس الوزراء يقف إلى جانبه: “بحثنا سبل جلب الهدوء أثناء عيد الفصح اليهودي ورمضان والفصح المسيحي، في أرجاء إسرائيل وغزة والضفة الغربية وبخاصة القدس. وهذا يعني العمل على منع أعمال من كل الأطراف من شأنها أن ترفع التوتر بما في ذلك توسيع المستوطنات، وعنف المستوطنين، والتحريض على العنف، وهدم المنازل، والدفعات للأشخاص الذين أدينوا بالإرهاب، وإخلاء عائلات من البيوت التي يسكنون بها على مدى عشرات السنين”.
بمعنى أنه، من ناحية بلينكن، يكاد كل عبء مسؤولية الإرهاب يقع على إسرائيل ومواطنيها الذين يسكنون في “المناطق” [الضفة الغربية]. كانت هذه أقوال تحريضية ومعيبة حتى قبل العملية، وبالتأكيد بعدها. بالمناسبة، أخطأ بينيت بعدم الرد الفوري، بعد وصول الأنباء إليه. والفجوة بين الحلم الذي بحث فيها، والتهديد الخطير على مواطني إسرائيل، بدت كبيرة مثلها مثل المسافة بين “سديه بوكر” وواشنطن – أربعة يهود قتلوا في بئر السبع قبل أسبوع. أما في النقب فيعاني الناس من عنف جنائي – قومي. ماذا يجدي الحديث عن الحرب ضد القرصنة في البحر الأحمر، في حين يمكن التعرض لوابل من الحجارة في الطريق إلى قاعدة “نباطيم”؟
بقلم: أرئيل كهانا
إسرائيل اليوم 28/3/2022