لا شيء عادي وغير مألوف في هذه الأيام الصعبة. في الساحة السياسية أيضاً بل وربما ابتداءاً منها. سلسلة طويلة من الزيارات، التصريحات وأوجه التعاون التي تدخل ضمن نطاق “الأحداث غير المسبوقة”.
هذا هو السبب الذي يجعل من الصعب على من يراقب الأحداث أن يفسرها وأن يستخلص استنتاجات تطابق الواقع الذي يخفى عن أعين معظم الناس. فالدعم الأمريكي الجارف وغير المتحفظ في الأيام الأولى من المصيبة أصبح حدثاً سياسياُ أمنياً يتجاوز مجرد الإعراب عن التأييد.
وزراء أمريكيون كبار يصلون إلى إسرائيل ويشاركون في المداولات الأمنية الأكثر سرية لا يتصرفون كضيوف بل كأعضاء في تشكيلة أصحاب القرار.
وزير الدفاع الأمريكي لويد اوستن جلس لساعات طويلة في مقر القيادة في الكريا (مربع الدوائر الحكومية في تل أبيب) إلى جانب القيادة الإسرائيلية. وزير الخارجية أنتوني بلينكن شارك كأحد الأعضاء في مداولات كابينت الحرب. واليوم تأتي الذروة: الرئيس الأمريكي جو بايدن يصل إلى إسرائيل لبضع ساعات وبعدها يواصل إلى عمان عاصمة الأردن للقاء الملك عبدالله والرئيس المصري السيسي ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
الدور الأمريكي غير المسبوق في الحرب التي تخوضها إسرائيل مع حماس لا يبعث فقط على التقدير والانفعال بل ويجر أيضاً أسئلة عديدة يجدون لها في إسرائيل حالياً أجوبة قليلة.
سلسلة من المحللين الذين يتابعون السلوك الأمريكي على مدى الحرب، من بدايتها وحتى الآن ،يعتقدون أن الدور المكثف والنشط للإدارة ينبع من عدم الثقة التي يشعر بها البيت الأبيض تجاه حكومة إسرائيل ورئيسها.
وحسب رواية “عناق الدب”، يأتي الأمريكيون إلى البلاد بهدف إدارة الوضع. واشنطن تغدق على إسرائيل المقاتلة كامل الدفاع، بما في ذلك عتاد ثقيل، حاملات طائرات وقوة عظيمة من آلاف البحارين المتمرسين.
الثمن المطلوب من إسرائيل في المقابل هو ظاهراً تنسيق كامل لكل العملية المخطط لها في غزة. رواية “عناق الدب” تقدم الحجة نفسها، والتي على أساسها عارض جهاز الأمن الإسرائيلي على مدى السنين فكرة اتفاق الدفاع مع الولايات المتحدة لأنها تُقيِّد أيدي الجيش الإسرائيلي مقابل المظلة الدفاعية الامريكية. فهل يأتي الرئيس بايدن بالفعل إلى إسرائيل ليس فقط كي يساند بل وأيضاً كي يُقيِّد؟
الصورة العامة أكثر تعقيداً من هذا التقدير. فالدور الأمريكي الحالي هو بالتأكيد شاذ وغير مسبوق. فلم يحصل أبداً أن رئيساً امريكياً زار إسرائيل في ذروة حرب، ولم يسبق أن نشرت أمريكا حاملات طائرات لردع الأعداء عن الدخول إلى المعركة، ولم يسبق أن سمعنا خطاباً عاطفياً وانفعالياً وودياً بهذا القدر على لسان أي رئيس امريكي. فالحديث يدور بالتأكيد عن دعم وإسناد استثنائيين بكل مقياس.
الرئيس بايدن وأعضاء إدارته لا يأتون حقاً إلى إسرائيل كي يديروا الحرب. لعل هذا كان هو الوضع لو كان في إسرائيل حكومة ضيقة، لكن في الوضع الحالي، وتحت حكومة وحدة وكابينت حرب يتشكل من وزراء دفاع ورؤساء أركان سابقين، لا يبدو أن القدرة الإسرائيلية على إدارة القتال بشكل “مهني” ومتوازن موضع شك.
إن الحرب حيال حماس هي حرب إسرائيل. ومن المعقول الافتراض أنه مع كل الدعم ومع كل التضامن، فإن الولايات المتحدة غير معنية في أن تدخل إلى حرب شرق أوسطية أخرى دون خطة خروج مرتبة وعملية. وهنا بالضبط يوجد الجواب على مسألة الدور الأمريكي والأهداف التي توجد على جدول الأعمال.
الرئيس بايدن وكبار رجالات إدارته غير معنيين بتقييد إسرائيل في أعمالها أو تقييد أيديها، بل منع كارثة إنسانية لا مرد لها في غزة. وذلك لأن آثار الكارثة اذا ما وقعت ستقع ليس فقط على إسرائيل بل وأيضاً على الولايات المتحدة في أعقاب الدعم غير المتحفظ من جانب واشنطن للعملية الإسرائيلية. مصيبة إنسانية قاسية في غزة من شأنها أيضاً أن تحرق كل الدعم الدولي الذي تتمتع به إسرائيل اليوم.
اما الهدف الثاني للأمريكيين فهو التأكد من أن لإسرائيل استراتيجية خروج من الحرب. الأسئلة التي تطرح عن “اليوم التالي” تبقى بلا أجوبة واضحة في واشنطن أيضاً، فما بالك في إسرائيل.
بقلم: آنا برسكي
معاريف – 18/10/2023