حدثت عملية “حارس الأسوار” في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإسرائيلي في ذروة عملية نهوض من كورونا، التي أدت إلى تقليص الإنتاج وزيادة كبيرة في العجز وقفزة في الدين العام. من جهة، ساهمت التجربة المتراكمة في فترة كورونا في استمرار النشاط الاقتصادي حتى في زمن الإطلاق الكثيف للصواريخ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية. ومن جهة أخرى، أدت العملية العسكرية إلى تقليص النشاط الاقتصادي، بما يشبه ما حدث في الإغلاقات في فترة كورونا، وتركت تساؤلات كثيرة فيما يتعلق بالتكلفة الواسعة للعملية العسكرية وتداعياتها الاقتصادية بعد العملية.
تتكون التكلفة الاقتصادية للعملية من 3 عناصر أساسية: التكلفة العسكرية المباشرة للحرب، والمس بالنشاط الاقتصادي، والأضرار بالجبهة الداخلية. يتم التعبير عن العنصر الأول بأثمان الذخيرة التي استخدمها الجيش الاسرائيلي (منها صواريخ الاعتراض، والقذائف الدقيقة وقذائف المدفعية)، وتكلفة استخدام المنصات المختلفة (الطائرات القتالية والدبابات، وتكلفة تجنيد القوات النظامية والاحتياط. وتشمل تكلفة الاقتصاد فقدان أيام عمل، وإغلاق أو عمل جزئي لمصانع ومحلات تجارية، وانخفاض في الطلب. في نهاية المطاف، الضرر الذي أصاب الممتلكات، خصوصاً المباني والسيارات، بسبب إطلاق الصواريخ على المدن في اسرائيل، الذي يعطي المصابين الحق في الحصول على التعويضات من الدولة. ويجب في هذه المرة إضافة الضرر الذي أصاب الممتلكات الشخصية والعامة نتيجة أعمال الشغب في المدن المختلطة.
ولتوضيح ذلك، يشار إلى أنه حسب الاقتصادي الرئيسي في وزارة المالية، فإن عملية “الجرف الصامد” بلغت تكلفة القتال فيها 7 مليارات شيكل، في حين أن تكلفة الاقتصاد والتعويضات بسبب المس بالجبهة الداخلية أضافت 1.7 مليار شيكل. الإجمالي هو 8.7 مليار شيكل. من السابق لأوانه تقدير الإحصاء الدقيق لتكلفة عملية “حارس الأسوار” لأن حساب كل واحد من العناصر يستغرق وقتاً، وقد يتضح عدد منها بعد أسابيع أو حتى أشهر. ولكن جولات قتال سابقة مع حماس وتنظيمات أخرى في غزة قد توفر لنا قاعدة جيدة لإجراء تقدير مبدئي مع التأكيد على الفروق البارزة بين هذه العملية وسابقاتها.
الفرق الأول هو في طول فترة العملية وقوتها. “الجرف الصامد” استمرت 50 يوماً تقريباً، في المقابل انتهت “حارس الأسوار” بعد 11 يوماً فقط. حيث نجح الجيش في هذه الفترة في أن يلقي على أهداف في قطاع غزة كمية مشابهة من القنابل. من هنا، كانت عمليات القصف كثيفة بخمسة أضعاف مقارنة بعملية “الجرف الصامد”. حماس من ناحيتها، والجهاد الإسلامي أيضاً، أطلقت على إسرائيل نحو 4360 صاروخاً وقذيفة هاون (ألف منها لم تجتز حدود القطاع)، مثل عدد الإطلاق في عملية “الجرف الصامد”.
الفرق الثاني يتعلق بتوسيع مدى المناطق التي أعلن فيها عن “وضع خاص” في الجبهة الداخلية، على بعد مسافة 80 كم عن قطاع غزة مقابل 40 كم في “الجرف الصامد”. المعنى هو مس أكبر بكثير بنشاطات الاقتصاد، خاصة، لأن توسيع المدى شمل منطقة الوسط التي يتركز فيها جزء كبير من النشاط الاقتصادي في إسرائيل. من ناحية أخرى، الفترة القصيرة نسبياً للعملية عوضت عن ذلك بدرجة كبيرة.
الفرق الثالث، ومن شبه المؤكد أنه الأكثر أهمية، هو أن أعمال الشغب التي جرت في المدن اليهودية – العربية المختلطة في إسرائيل، لا سيما في الأيام الأولى من العملية، تسببت بأضرار كبيرة للممتلكات والأرواح أيضاً. حجم نطاق الضرر الاقتصادي الذي وقع نتيجة الأحداث العنيفة سيتضح فيما بعد. ويطرح تساؤل حول استعداد التجمعات اليهودية والعربية للعودة إلى العمل والتجارة فيما بينهما، أو أن هناك مخاوف وشكوكاً متبادلة ستضر بنسيج الحياة المشتركة الهش.
1- التكلفة الاقتصادية المباشرة: إحدى الصعوبات في تقدير هذه التكلفة، هو الاختلاف في المواقف التي تظهر في هذا السياق في كل مرة بين وزارة الدفاع ووزارة المالية، لأسباب معروفة. فتقدير وزارة الدفاع لتكلفة عملية “الجرف الصامد” هو 9 مليارات شيكل، في حين أن المالية طرحت احتساباً بلغ 6.5 مليار شيكل. في النهاية المبلغ الذي تقرر هو حوالي 7 مليارات شيكل. ورغم ذلك، يمكن تقدير تكلفة القتال حسب التكلفة الأساسية، بما في ذلك تكلفة يوم قتال جوي في عملية “الجرف الصامد” (80 – 120 مليون شيكل)، وتكلفة صاروخ القبة الحديدية (50 ألف دولار لكل صاروخ). ولأن الأمر كان كثيفاً في عملية “حارس الأسوار” فمن الأرجح أن تكلفة يوم القصف الجوي أكبر بضعفين من تكلفة يوم القصف الجوي في “الجرف الصامد”. مع ذلك، طول عملية “حارس الأسوار” وتركيزها على القصف الجوي يتوقع أن تخفض التكلفة العسكرية المباشرة 4 – 5 مليارات شيكل.
2- الأضرار بالممتلكات نتيجة إطلاق الصواريخ على إسرائيل: بلغ عدد الدعاوى عن أضرار مباشرة في “الجرف الصامد” 4600 دعوى، وبلغ حجم التعويض بسبب هذه الدعاوى 200 مليون شيكل. أي 44 ألف شيكل في المتوسط لكل دعوى. وحسب بيان سلطة الضرائب، فإنه عند انتهاء “حارس الأسوار” تم تقديم 5245 دعوى لصندوق التعويضات بسبب أضرار مباشرة. ومن شبه المؤكد تكون الأضرار في هذه المرة أشد بسبب قدرة الإضرار الأعلى للإطلاق من القطاع، لذلك من الأرجح أن يكون متوسط الدعاوى أعلى. كتقدير مبدئي، لنفترض أنه سيكون 60 ألف شيكل، فإن تقدير حجم التعويضات سيصل الى 315 مليون شيكل.
3- المس بالنشاط الاقتصادي: حسب حساب مبدئي لقسم الاقتصاد في اتحاد الصناعيين، فإن التكلفة الاقتصادية بسبب المس بالنشاط الاقتصادي أثناء العملية بلغ 1.2 مليار شيكل. يرتكز التقدير بالأساس على فقدان أيام عمل لثلث العاملين في منطقة الجنوب، في حين يقدر بأن تم تقليص أيام العمل في منطقة الوسط 10 في المئة فقط أثناء القتال. أي أن البعد عن القطاع تبين أنه حاسم بهذا المعنى. من هنا، فإن عنصر التكلفة منخفض في هذه المرة 20 في المئة مقارنة بعملية “الجرف الصامد” (1.5 مليار شيكل). تظهر التجربة من عمليات سابقة أن العائلات يزيد طلبها بعد الجولات العسكرية، وهكذا تعوض الخسارة الأولى بدرجة كبيرة. لا نعرف في هذه المرحلة هل سيكون الأمر مشابهاً أيضاً في الأسابيع والأشهر القريبة عندما يضاف في هذه المرة انزلاق المواجهة إلى الساحة الداخلية.
إن مواجهة عالية القوة إضافة إلى اشتعال الساحة الداخلية، فيها إمكانية كامنة لزيادة التكلفة. ولكن لا شك بأن الفترة الزمنية القصيرة نسبياً لعملية “حارس الأسوار” ساهمت في تقليص التكلفة الاقتصادية مقارنة بالتكلفة في “الجرف الصامد”. لذلك، يجب إضافة العوامل الخاصة التي ساعدت الاقتصاد على الانتقال من الحياة الروتينية إلى حالة الطوارئ والعودة مرة أخرى إلى الحياة الروتينية بسهولة أكبر:
“العودة العامة” من سنة كورونا – خلافاً لجولات قتال سابقة، في عملية “حارس الأسوار” كيّف الاقتصاد نفسه بسرعة وفق نماذج عمل تم اكتسابها في فترة كورونا، لا سيما العمل من المنازل. لهذا، فإن قطاعات كثيرة لم تتضرر تقريباً. وكان الإضرار بقطاع الهايتيك ضئيلاً نسبياً. وهو القطاع المسؤول عن 52 في المئة من التصدير الإسرائيلي. وساهمت في تقليص التكلفة قدرة جهاز التعليم على التكيف بسرعة كبيرة مع التعليم عن بعد استناداً إلى التجربة التي راكمها في كورونا. هكذا تم منع الشلل الكامل الذي كان سيزيد من تكلفة العملية نتيجة الإضرار الكبير بأيام عمل الآباء.
تجنيد مقلص للاحتياط – التكلفة اليومية لجندي الاحتياط أكثر من 500 شيكل بقليل. كان تجنيد الاحتياط في “حارس الأسوار” محدوداً جداً (أقل من 10 آلاف جندي في الاحتياط). وكانت العملية قصيرة نسبياً، لذلك كانت التكلفة منخفضة جداً، أقل بكثير مما كان في “الجرف الصامد” التي تم تجنيد 40 ألف جندي احتياط فيها لفترة زمنية طويلة.
شلل الاقتصاد فقط في نصف أيام القتال – في اليومين الأوليين للقتال لم تكن القيود على الاقتصاد كبيرة، وفي مدى 80 كم من القطاع لم يسجل غياب كثير عن أماكن العمل. وفي عدد من أيام العملية – عيد الأسابيع الذي استمر أربعة أيام – كان يمكن لنشاط الاقتصاد أن يكون محدوداً أصلاً.
التكيف وحماية المصانع – استناداً إلى التجربة التي تراكمت في جولات قتال سابقة، فإن معظم المصانع التي تعمل قرب قطاع غزة لم تشل، بل هي محمية وتعمل حسب أنماط تمكن من مواصلة العمل رغم إطلاق الصواريخ على المنطقة.
السياحة – أولاً، السياسة تشكل نسبة صغيرة جداً من الإنتاج (2 في المئة فقط). ثانياً، نتيجة لكورونا، لا يصل إلى إسرائيل الكثير من السياح، وبالتالي فإن الضرر الذي لحق بهذه الصناعة في أعقاب “حارس الأسوار” هو ضرر طفيف، حتى أنه غير موجود على المدى القصير. وللمقارنة، في تقرير بنك إسرائيل لسنة 2014 التي كانت فيها “الجرف الصامد”، كتب أن الخسارة التي تعرض لها فرع السياحة نتيجة للعملية هي 2 مليار شيكل.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن يجد الاقتصاد الاسرائيلي التشجيع من قوة سوق المال الإسرائيلية: في السنوات الأخيرة سُجل منحى بارز يظهر أن سوق المال المحلي يتأثر بدرجة أقل بالأحداث في ساحة النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين، وبدرجة أكثر بالأحداث العالمية. في “حارس الأسوار” ظهر مرة أخرى كيف أن الإضرار بالاقتصاد أثناء المواجهة لم يؤثر على سوق المال المحلي، وحتى المؤشرات الرئيسية ارتفعت قليلاً مقابل مستواها عشية العملية. مع ذلك، يجب الإشارة إلى أن استمراراً طويلاً للعملية كان يمكن أن يضر سوق رأس المال أيضاً.
ما أُشير إليه سابقاً يتناول التكلفة التي تم الكشف عنها في الوقت الحالي، لكن يجب الافتراض أن “حارس الأسوار” ستجر تكاليف أخرى في المستقبل. مثلاً، مسألة زيادة حماية الجبهة الداخلية التي عادت لتحتل جدول الأعمال، لأن عدداً كبيراً من المدن الموجودة في مدى النيران، لا سيما عسقلان، غير محصنة، ولأن الحماية القائمة غير فعالة بما فيه الكفاية. ثمة تقدير مبدئي لتكلفة حماية كاملة لعسقلان وهي 1.4 مليار شيكل. ويبدو أن بلدات أخرى في المحيط ستضطر الى تضمينها في رزمة الحماية في الميزانية. مسألة أخرى، وهي المس بصورة إسرائيل في العالم: شبكات وسائل الإعلام الأجنبية والشبكات الاجتماعية نشرت صوراً منحازة بشكل كبير للقتال، مع إلقاء اتهامات ثقيلة على إسرائيل. في هذه المرحلة، لا توجد إمكانية لتقدير الأضرار الاقتصادية نتيجة تشويه صورة إسرائيل، سواء من ناحية سياحية أو من ناحية الاستثمار والأسواق. ولكن يمكن الافتراض أن يكون لذلك ثمن. وبالتالي، يجب الاستعداد في هذه الجبهة… فقد فشلت إسرائيل في نقل صورة أكثر توازناً.
بقلم: مينوئيل تريختنبرغ وتومر بدلون
هآرتس 10/6/2021