إن الاختيار المتوقع لأول رئيس حكومة متدين – قومي، يمكن أن يبشر أيضاً بخطاب جديد لإسرائيل: الخطاب المتغطرس الديني – القومي اللزج والخطير والمثير للشفقة. هذا الخطاب لم يولد بالأمس، بل يتألق على تلال الضفة الغربية منذ 25 سنة، مع كل نظرات الاستغراب الصالحة الموجهة نحو السماء، من هناك امتد إلى الجيش ووسائل الإعلام ومراكز القوة التي احتلها المتدينون القوميون في السنوات الأخيرة. ومن الآن فصاعداً، ستحتل مكانة أكثر مركزية.
ستتحول الدولة اليهودية إلى دولة الهايدشكايت. وقد قام بدور السنونو عضو الكنيست، نير اورباخ. المنشور الذي رفعه لكي يشرح قرار تأييده لحكومة نفتالي بينيت يعدّ وثيقة ممتعة: ألف كلمة رائعة قيلت عن لا شيء. قرار سياسي شخصي كضوء عالمي. مزيج سياسي لشخص غير عدداً من الأحزاب في حياته كتغيير في نظام الخلق. اختيار حكومة من حكومات اليمين كأمر “قيمي”. عندما هبط موسى عن جبل سيناء كان يبدو أقل غطرسة. أي تعديل منذ هذه اللحظة على قوانين وقوف السيارات، سيتم عرضه وكأنه أمر إيماني. عليكم أن تعتادوا ذلك.
حركة العامل الشرقي القديمة والجيدة، التي عارض زعماؤها شن حرب الأيام الستة، استبدلت منذ فترة بأشخاص جعلوا أنفسهم المسيح. لا يوجد مثل اورباخ كي يدل على عمق التغيير… يعتبر نفسه نائب المسيح. وما لم يورده في أقوال الشرح الموصى بها عن خطوته، شارك فيها العالم بآلامه وحيرته بعد أيام كثيرة. بالمناسبة، الحيرة دائماً لديهم، والقيم ملكية حصرية لهم أيضاً.
كلمات المفتاح في المنشور هي: قيم الخلود والشعب الخالد (الذي لا يخاف)؛ الأموريون والتنائيون والحلم الصهيوني وافيف غيفن؛ وأبراهام فريد، وآلاف سنوات الشتات؛ ليس برغبة في النفس. الأسلوب هو الشخص، وهذا أمر جيد. ولكن انتبهوا للمضامين: عودوا إلى الحديث القومي المتطرف، الرافض والمتعالي، عن “مجتمع مثالي” و”نور للأغيار”. لم تعد إسرائيل منذ زمن منارة أو حتى مصباح جيب أو حتى عود ثقاب من الأخلاق للعالم، بل هي دولة مجذومة جداً لعدة أسباب جيدة؛ يواصل اليمين الديني التضليل بالتحدث عن مجتمع مثالي. ويعتقد أورباخ أننا لسنا كذلك، بل في السنتين الأخيرتين فقط، بسبب أن ليست لنا حكومة مستقرة. حتى ذلك الحين كنا، وبعد قليل مرة أخرى سنكون نوراً للأغيار بفضل قرار تأييده لبينيت.
لا يجب الاستخفاف بعملية التفكير هذه. فقد تسربت عميقاً في المجتمع الإسرائيلي، أبعد كثيراً من قاعدة بينيت. الكثير من الإسرائيليين ما زالوا يؤمنون بالقصة المدحوضة عن “الشعب المختار” وعن حقنا في هذه البلاد لأن الله قال ذلك. يبدو أن هذا غير سيئ جداً، ما هو السيئ في شعب راض عن نفسه حتى الثمالة؟ ولكن مثلما في كل فقدان للصلة مع الواقع، ثمة حديث يدور عن متلازمة انتحارية وخطيرة على المؤمنين وعلى محيطهم.
عن أي مجتمع مثالي يتحدث أورباخ؟ هل يتحدث عن المجتمع الذي يقوم بطرد طالبي اللجوء؟ المجتمع الذي يرمي الناس من بيوتهم بسبب انتمائهم القومي؟ المجتمع الذي يسجن مئات البشر بدون محاكمة؟ المجتمع الذي يطلق الرصاص الحي على المتظاهرين؟ ضوء للأغيار؟ هل هذا صحيح؟ يكفي أن تكون إسرائيل مثل كل الشعوب. من ناحية أخلاقية، هي أقل من المتوسطين فيها. وعن أي قيم خلود لـ”الصهيونية الدينية” يتحدث ممثل الحركة التي تعبد الطرد الجماعي للبشر، التي تؤمن بتفوق قومية على قومية أخرى في البلاد، والتي تؤمن بأن الوعد الإلهي تسجيل في الطابو، الأمر المؤكد الذي لا يوجد غيره، وتترجم معتقداتها السامية إلى عقيدة سياسية.
هم يتعالون على الأغيار وعلى العلمانيين أيضاً. هم أصحاب قيم، عربتهم مليئة مقارنة بجميع العربات الفارغة. هم طلائعيون وصهاينة أكثر من الجميع. هم لا ينشغلون بصغائر الأمور، بل بمصير الشعب اليهودي. أورباخ غير مهم، طريقة تفكيره وأسلوبه يتحولان من الآن فصاعداً إلى أكثر أهمية. انتبهوا إلى أضواء أورباخ: الضوء اللامع للدين، القومية المتطرفة والتعالي.
بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 10/6/2021