ولدت قبل ميلاد الدولة ببضعة أشهر. وبناء على ذلك، يمكن القول بأنني شاهدت كل سنواتها حتى الآن؛ من التقشف وحتى “ذريعة المعقولية”، من “التلينا” وحتى هراءات “سفر الجامعة”. لا يختلف فهم ووعي الطفل عن فهم ووعي البالغين، لكن يمكنني أن أشهد بأن تجارب الرضيع تنقش صور وأحاسيس في وعيه.
العشرون سنة الأولى من عمر الدولة، من 1948 وحتى 1967، يجدر أن نسميها “مرحلة الأمل”. في حينه، ساد شعور مختلف واحتفالي لصعوبة كبيرة مضمخة بأمل أكبر، وهو أن شيئاً جديداً ولد هنا، وسينمو ويزدهر، أما الآن فالوضع وبحق غير جيد، ولكن لا شك أنه سيكون جيداً بعد قليل. الأمل والانفعال سيطرا، بعد ذلك تم اكتشاف أخطاء تقشعر لها الأبدان وأعمال إجرامية تثير الاشمئزاز حدثت في تلك السنوات. لكن الأمل غطى على كل شيء.
في العام 1967 بدأت المرحلة الثانية، “مرحلة الإفساد”. انضم المارد الديني للمارد الصهيوني. واجتمعا على مهمة الإفساد. العيون المندهشة لمسرعي عودة المسيح، الذين يستندون إلى ماضيهم “الطلائعي” قادوا إسرائيل إلى نفاد الصبر وفقدان الكوابح، سواء الإنسانية والمنطقية. ليس للقيادة فحسب، بل للشعب كله.
في 29/12/2022، عندما سلمت الخرقة البالية التي تقف على رأس الحكومة الحالية الحكم لحكومة المكانس، بدأت المرحلة الثالثة، “مرحلة التدمير”. هذا الأمر كان متوقعاً ومحتوماً، لأنه لا يوجد شفاء مريح من 55 سنة من الإدمان على الشر والنهب والسيادة والعنف. لا يوجد أيضاً تحرر من حكم المهووسين بالدين والشوفينيين والزعران إلا عن طريق كارثة. والدليل خراب الهيكل وكارثة بار كوزيبا.
لن يكون لدينا هذه المرة يوم قيامة دراماتيكي، بل تفكك تدريجي إلى أن تصبح إسرائيل مكاناً لا يرغب شخص متحضر في العيش فيه، إلى درجة أن المتشائمين والمتطرفين والشوفينيين والمختلين عقلياً هم الذين سيبقون فيها ويحكمونها إلى أن تتلاشى.
بمناسبة افتتاح “مرحلة التدمير”، حاولت أن أفحص كم من الجهد والوقت سيستغرق استكمال المشروع. وقد تفاجأت عندما اكتشفت بأن المهمة ستكون سهلة بدرجة مدهشة. أغلبية كل شيء مدمرة، الأموال الضخمة، التي استثمرت وتستثمر في صيانة وتشغيل أوكار المستوطنين والحكم الذاتي للحريديين، بدلاً من أن تذهب إلى أماكن ناجعة أكثر، استكملت معظم المهمة.
هاكم قائمة جزئية للدمار الذي تم تنفيذه. التعليم يحتضر، والبناء متخلف وباهظ الثمن، والتمريض والعناية بكبار السن باتت نكتة إجرامية، والصحة مسحوقة، وغلاء المعيشة في عنان السماء، والبنى التحتية متآكلة، والمواصلات العامة مضحكة، والفقر يتعاظم، والدين يسيطر، وتجميع الشتات يولد الشجارات، وأعمال الشرطة قبيحة، والعنف يزدهر، والفساد يشرق، والعدل يزحف، وحقوق الإنسان تحتضر، والمساواة ماتت ودفنت.
يبدو، لشديد الغرابة، أن دولة إسرائيل خلال الـ 75 سنة من حياتها لم تنجح في حل ولو مشكلة واحدة من جميع المشكلات التي من شأن دولة سليمة أن تواجهها، ولا حتى واحدة. يبدو أن هذا هو مصير الدول التي تخدم الله وليس مواطنيها. كم هو التاريخ ظالم: أردنا أن نكون أثينا فأصبحنا إسبارطة. أردنا أن نكون نوراً للأغيار فأصبحنا محللين للحشرات للأغيار. أملنا أن نصنع العنب فخرجنا بأمور نتنة. وهذا غير مريح (لحظة! تصحيح خطأ: مصانع التحلية في إسرائيل قصة نجاح باهرة، هي وبحق حلت مشكلة حقيقية. نعم، سيكون هذا عزاءنا).
بقلم: ب. ميخائيل
هآرتس 7/2/2023