ما بدا كإعصار يهدد قصر الملك الأردني، تبدد في غضون يومين ليصبح مهب ريح جانبية قوية لم يخلف تجاه الخارج على الأقل أضراراً هدامة. فقد جند الملك عبد الله عمه الأمير الحسن كوسيط عائلي. أما أخوه غير الشقيق، الأمير حمزة، المشبوه بتخطيط الانقلاب، فقد وقع على إعلان ولاء. وسارع وزير الخارجية السعودي لزيارة الأردن معرباً عن تأييد غير متحفظ من مملكته للأردن. وأطلقت الولايات المتحدة إعلان إسناد. وعادت الحياة إلى مجاريها. غير أن المخاطر الحقيقية على المملكة تكمن في مجرى الحياة العادي.
قبل نحو أسبوعين انفجرت في العاصمة عمان وفي مدن أخرى في الدولة مظاهرات، في أعقاب وفاة ستة أشخاص على الأقل في واحد من المستشفيات الحكومية، بسبب نقص الأكسجين. وفي الأسبوع إياه أصيب نحو 6 آلاف شخص بمرض كورونا، ومنظومة التطعيمات تجري بكسل، وبضع عشرات الآلاف فقط تلقوا الحقنة الأولى من اللقاح. إضافة إلى ذلك، سيخرج عجز الميزانية، الذي تقرر عند نحو 2.9 مليار دولار، عن الإطار. “البطالة هي المشكلة الأخطر في المملكة”، قال وزير المالية الأردني محمد العسعس، في حديث مع نظيره الأمريكي.
وفقاً للمعطيات الرسمية، فإن معدل البطالة في الأردن 24 في المئة، وهو ارتفاع بمعدل 5 في المئة مقارنة بالوضع قبل سنة. ويبلغ المعدل في أوساط أصحاب التعليم العالي إلى 28 في المئة، وأكثر من نصف العاطلين عن العمل يحملون شهادات الثانوية أو المهنية. ونجد في أوساط الشباب أن البطالة أخطر بكثير – أكثر من 50 في المئة. فقد تحدثت نقابة المهندسين في شباط بأن نحو 35 ألف مهندس، من أصل 174 ألفاً مسجلين، بلا عمل. “بدون استثمارات في المشاريع وبسبب كورونا، يمكن لعدد المهندسين العاطلين عن العمل أن يرتفع أكثر”، هكذا حذر طارق المومني، مدير التأهيل المهني في رابطة المهندسين.
في الطريق إلى انفجار آخر لغضب جماهيري
في نهاية آذار، نشر رئيس الوزراء بشر الخصاونة، خطة عمل اقتصادية هدفها مساعدة متضرري كورونا واستئناف النشاط الاقتصادي. وهذه الخطة التي تكلف نحو 630 مليون دولار، ستمول حفظ نحو 100 ألف مكان عمل قائم وخلق نحو 14 ألف مكان عمل جديد – بما في ذلك التشغيل المؤقت لنحو 2.500 ممرض وممرضة على مدى نصف سنة. وستسمح بجدولة الديون للأعمال التجارية والمواطنين الخاصين، وتأجيل دفع الغرامات حتى نهاية السنة، ومساعدة خاصة لفروع السياحة والزراعة والصحة.
ولكن أكثر من ثلث هذه الميزانية الخاصة مخصص لتسديد ديون حكومية للمستشفيات ولشركات الأدوية – المال الذي كان يفترض أن يكون ضمن الميزانية العادية. ومعايير المساعدة وتلقي القروض المريحة لم تنشر بعد، في الوقت الذي سيقدم آلاف المواطنين إلى المحاكمة لعدم دفع ديونهم للبنوك ولمؤسسات التمويل الحكومية.
حسب القانون الأردني، يحق للدائن أن يطلب حبس مدينه، وقد بعثت المحاكم إلى السجون حتى الآن بمئات المواطنين لمدة شهر إلى ثلاثة أشهر. وحبس أصحاب الدائنين يثير نقاشاً عاصفاً في المملكة تجندت إليه منظمات حقوق الإنسان التي تطالب بإلغاء القانون أو على الأقل التمييز بين من لا يستطيع الدفع ومن لا يريد دفع دينه. وتبلغ هذه المنظمات عن مواطنين حبسوا غير مرة، ولكن ديونهم بقيت كبيرة، والكثيرون منهم يحاولون الفرار من الدولة خوفاً من حبس إضافي.
البطالة في الأردن بركان نشط انفجر قبل نحو سنتين وأدى إلى إقالة رئيس الوزراء وإقامة حكومة جديدة (تغيرت منذئذ). ولكن المؤشرات الاجتماعية في الأردن تدل على انفجار متجدد للغضب الجماهيري إذا لم تتوفر حلول اقتصادية فورية.
وهذه الحلول خارج الرف الآن. فمن ميزانية بنحو 11 مليار دولار، فإن نحو 65 في المئة توجه للرواتب والتقاعدات، بما في ذلك لرجال الجيش. وتعتزم الحكومة الاقتراض من الديون نحو 6 مليار دولار، وهذا سيزيد دفعاتها على الفائدة إلى أكثر من 2 مليار دولار في السنة. والنفقات غير المتوقعة التي جلبتها كورونا ستسلب ما تبقى. أما عن الاستثمارات في التنمية التي تخلق أماكن عمل وتزيد التصدير، فلا مجال للحديث.
مع أن الأردن يتمتع بمنح خارجية بمبلغ نحو 800 مليون دولار في السنة وبمساعدة خاصة لرعاية نحو 1.3 مليون لاجئ يتواجدون فيه، إلا أن هذه الأموال لا يمكنها أن تحل المشاكل البنيوية للاقتصاد الأردني، أو ترمم السياحة أو أن تصب الأساسات لمشاريع كبيرة وربحية.
مافيا المياه
إن السير على حبل رفيع اقتصادي والانشغال الدائم في جمع القروض ليسا سوى جزء من الشقلبات الدائمة التي تبقي رأس المملكة فوق الماء. كما أن هناك تهديدات وجودية أخرى لا تتبع قواعد السوق أو المناورات الحسابية والسياسية.
إن النقص العضال في المياه يلقي بالرعب على النظام. وإسرائيل على وعي بهذا النقص بسبب المواجهة الأخيرة بين رئيس الوزراء نتنياهو والأردن، والذي أخر فيه نتنياهو إذن توريد 8 مليون متر مكعب من المياه للمملكة، إضافة إلى 50 مليون متر مكعب تحولها إسرائيل لها وفقاً لاتفاق السلام من العام 1994. بالنسبة للأردنيين، ولا سيما الذين يسكنون في مناطقها الشمالية، تعدّ هذه مشكلة يومية.
ووفقاً لمعطيات وزارة المياه الأردنية، فقد ارتفع استهلاك المياه في السنوات الأخيرة أكثر من 40 في المئة، ولا سيما بسبب ظهور نحو 1.3 مليون لاجئ في المجال الأردني. وثمة قرى وبلدات، ولا سيما على طول غور الأردن، تحصل على المياه في الناقلات ولا تحظى بمياه دافقة. في بعض المناطق لا يتم توزيع المياه إلا مرة في الشهر، مقابل مرة في الأسبوع حتى قبل نحو سنة.
ويتعرض المواطنون لاستبداد ما يسمونه “مافيا المياه” – التي تتحكم بالناقلات، وبأوقات التوريد، وبحفر الآبار، وبأسعار المياه. والمنظمات الدولية التي تحقق في الأوضاع داخل الأردن تقدر بأن 70 في المئة من المياه تسرق من الدولة ببساطة من خلال الحفريات العشوائية، بلا تخطيط وبلا حماية لمصادر المياه. وبلغت وزارة المياه بأن الدولة تخسر نحو 365 مليون دولار في السنة بسبب ما توصفه بأنه “مياه ضائعة”. وليست هذه مياهاً مسروقة، بل هي أيضاً مياه تختفي بسبب الأنابيب المحطمة.
ووفقاً لتوقعات بعيدة المدى، سيتصدى الأردن في العقود التالية لنقص حاد في المياه من شأنه أن يتسبب بأزمة سياسية بل وبحروب مياه. أجري بحث متعدد السنين في الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، يتوقع أن المياه الجوية في الأردن ستقل بنحو 60 في المئة في نهاية القرن الحالي، وستقل مياه التجميع بنحو 25 في المئة. هذا توقع مفزع معناه الجفاف، إذا لم تُتخذ أعمال لمنعه منذ هذه اللحظة.
إخراج قناة البحرين من الجارور
الحل الدارج هو بناء منشآت تحلية. لقد علق الأردن آمالاً عظاماً في حفر قناة البحرين التي تربط بين البحر الأحمر والبحر الميت، كمسار تبنى على طوله منشآت تحلية تتمكن من تلبية قسم كبير من احتياجات المياه. ولكن المشروع الذي كان يفترض أن يبنى بالتعاون مع إسرائيل، عالق بسبب انسحاب الأخيرة من الخطة. وعلى خلفية التوتر بين الدولتين، ثمة شك بإخراج الخطة من الورق إلى الأرض.
في مواجهة نقص المياه والأزمة الاقتصادية، فإن المماحكات العائلية في البلاط الملكي تبدو كفصل في مسلسل تلفزيوني. هي تهديدات لا ينبغي أن تقلق المملكة فقط، بل وتلزم إسرائيل بالتخطيط مع الأردن للتعاون في مجالات المياه والتنمية الاقتصادية – إذا كانت إسرائيل لا تريد أن ترى إلى جانبها دولة مفككة وغير مسيطر عليها.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس/ذي ماركر 13/4/2021