اختطفت كل ضمات البقدونس والسبانخ البلدي والزعتر الأخضر من الرفوف في سوبرماركت الحي الموجود في شمال مدينة البيرة يوم الأحد في الساعة الثالثة ظهراً. وهذا يعنينا لأن السبانخ أيضاً والخضراوات الأخرى تخبرنا عن فصل في سيطرة إسرائيل. والطوابير الطويلة التي امتدت أمام الصندوقين، وذعر الشارين لملء السلال ذكّرت بفترات التوقف القصيرة في فترة حظر التجول الذي كان يفرضه الاحتلال في الانتفاضتين الأولى والثانية. يأتي ذلك حين أعلنت محافظة رام الله والبيرة، ليلى غنام، مساء السبت، عن نوع من حظر التجول لمدة أسبوع كمحاولة أخرى لكبح تفشي كورونا.
إسرائيل تُفتح بالتدريج. والجيوب الفلسطينية تدخل في إغلاقات داخلية، وأصبحت متواترة وأكثر يأساً. هذا يرتبط باكتظاظ البيوت والأحياء، والاستخفاف الكبير بتعليمات الحذر. في الوقت نفسه، تبدو الصورة الفلسطينية المعاكسة للوضع في إسرائيل (إغلاق أمام فتح) انعكاساً لأبرتهايد التطعيمات. كجزء من روتين الحياة، اقتحم الجنود الإسرائيليون في ليلة الاحد – الاثنين ثلاثة أحياء في رام الله، وقريتين في المحافظة، وفتّشوا واعتقلوا. وهذا دليل آخر على سيطرة إسرائيل الكاملة، التي ألقت عن كاهلها الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي، بصحة السكان في الضفة الغربية.
بأمر من المحافِظة، ستكون محلات البقالة مفتوحة الأحد من الساعة التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساء، وستغلق وسيسمح لها بالفتح مرة أخرى يوم الخميس فقط. وسيوقف كل نشاط في المجال العام والخاص، وحركة السيارات ممنوعة، وسيتم فرض غرامات على من يخرقون التعليمات، وستطبق الشرطة هذا الأمر بشكل حازم. بعد ذلك، أعلن محافظ نابلس ومحافظ القدس عن حظر تجول مشابه، إضافة إلى قيود على الحركة بين المحافظات سارية المفعول وتحديد ساعات فتح المحال التجارية.
لقد عرفت أنه يمكنني إيجاد البقدونس الطازج على بعد كيلومتر أو اثنين عن شقتي في شمال البيرة. مثلاً، على بسطة على مدخل قرية سردا، وفي محلات الخضراوات المفتوحة في مخيم الجلزون للاجئين، وفي قرية دورا القرع وقرية بيتين. ومثل معظم القرى في المحافظات الفلسطينية، هذه القرى موجودة خارج صلاحيات الشرطة وإنفاذ قانون السلطة الفلسطينية. هذه مناطق “ب”، التي للسلطة فيها صلاحيات تخطيطية وإدارية فقط. عندما تكون كل الحياة التجارية مشلولة في المدن، فثمة ما يمكن شراؤه من المناجر والكراجات والملاحم والمشاتل في القرى المحيطة. ليس من الصعب على الفلسطينيين الذين يعرفون كيفية التهرب من نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية أن ينجحوا في تجاوز نقاط تفتيش شرطتهم إذا صمموا على شراء غسالة أو إطار سيارة جديد في هذا الأسبوع بالتحديد. تحرص أجهزة الشرطة و”الأمن الوطني” الفلسطينية على ألا تتجاوز نقاط التفتيش الداخلية مناطق “ب” التي يسمح فيها لهم بالعمل فقط في حالات استثنائية وبتنسيق مسبق وطويل ومتعب، مع إسرائيل. الشرطة الإسرائيلية التي يمكنها العمل هناك لا تعنيها مشكلات مثل بناء متجاوز ومخالف للقانون، ومكبات النفايات غير مسموح بها، وسيارات غير مؤمنة، وعنف ذكوري ضد النساء، ونزاعات بين الجيران والعائلات أو السرقة. ويعنيها بدرجة أقل تنفيذ تعليمات كورونا.
ماذا يعلمنا هذا؟ أنه حتى بدون شرطة ورغم التوترات الطبيعية والنزاعات التي تندلع بين حين وآخر، فإن علاقات الشراكة والعلاقات المتبادلة بين العائلات في القرى الفلسطينية توفر أمناً شخصياً معقولاً. وخلافاً لإسرائيل، تحرص السلطة الفلسطينية على الاتفاق المرحلي المسمى أوسلو رغم أنه كان يجب على إسرائيل أن تحول في العام 1999 مناطق “ب” إلى مناطق “أ” (صلاحيات إدارية وشرطية فلسطينية). بعد مرور 22 سنة على ذلك، يبدو تخليد المرحلة المؤقتة يقلص حدود الحكم الذاتي الفلسطيني جغرافياً ومعنوياً. التخليد المؤقت يحول الشعور بعدم اليقين والتشكك الذاتي للموظفين واستخفاف المواطنين بهم إلى أساس ثابت في الحياة اليومية. عدم اليقين والاستخفاف والتشكك الذاتي أيضاً هي وسائل سيطرة تطورها إسرائيل.
بقلم: عميره هاس
هآرتس 9/3/2021