لا يحب رجال وزارة الخارجية التعيينات السياسية، خصوصاً حين تكون الوظيفة المنشودة في العواصم الأهم تنبع من الدبلوماسيين والمهنيين. لا غرو أن سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، جلعاد أردان، الذي عين منذ عهد حكومة نتنياهو، يثير الإحباط لدى موظفي الوزارة. وهم يشاركون الصحافيين بمرارة قلبهم. هكذا مثلاً، تحدثت دانا فايس عن أن محافل رفيعة المستوى في وزارة الخارجية تدعي بأن أردان “يقوم باستعراضات لقاعدته الجماهيرية كل يوم – بدلاً من العمل”. ثمة مقال افتتاحي لـ “هآرتس” انضم إلى هجمة على أردان ووصفه بأنه “ممثل صريح لدبلوماسية الأمس” وطلب من وزير الخارجية لبيد “أن يعيد أردان إلى الديار، ويبعث إلى نيويورك بشخص يمثل التغيير الذي تدعي الحكومة القيام به”.
غير أنه يجدر بنا أن نتوقف ونسأل: ما هو ذاك “التغيير” الذي تعمل عليه حكومة بينيت – لبيد؟ إذا كان مقياس التغيير هو الخطاب الأديب الذي تمارسه الدبلوماسية الإسرائيلية اليوم، فإنه بالفعل يمكن التباهي بالتغيير والاحتفال بانتقال حكومة بينيت – لبيد إلى دبلوماسية الغد. ولكن مثلما كون “الإعلام” ليس سياسة، فإن المجاملات ليست سياسة. قد تزرع الابتسامة الدبلوماسية وهماً بأن إسرائيل تسير باتجاه سياسي صحيح، لكن الواقع سيلطم وجوهنا في النهاية. حتى لو رفعنا مستوى لطافتنا، فلن ننجح في الفرار من الحقيقة: الموضوع السياسي الأهم، أن حكومة بينيت – لبيد مشلولة تماماً. فهناك مسيرة تجذر الاحتلال وتتواصل دون اتخاذ أي مبادرة لحل النزاع مع الفلسطينيين. وبقاء الحكومة متعلق علناً بانعدام الفعل السياسي. ولهذا، فإنها تخدم معارضي حل الدولتين الذين يتغذون من الوضع الراهن الوهمي. الزمن المنقضي يعمق ظاهرة الاحتلال، ويخلق واقعاً ثنائي القومية ويسحق الاحتمال للوصول إلى تسوية تقوم على أساس تقسيم البلاد. من ناحية سياسية، حكومة بينيت – لبيد يمينية أكثر من حكومة نتنياهو. فقد أعطى نتنياهو موافقته على صفقة القرن التي جاء بها الرئيس ترامب. ورغم كونها منحازة إلى الجانب الإسرائيلي، تضمنت إقامة دولة فلسطينية واعترفت بمبدأ تبادل الأراضي.
في الماضي البعيد، عندما جلس اليمين واليسار معاً في حكومة واحدة، نشأت معضلة حقيقية للدبلوماسية الإسرائيلية. كما الحال في عهد حكومة التناوب في الأعوام 1984 – 1988. عندما حل شمعون بيرس مع إسحق شمير كوزير الخارجية تمزقت منظومة الإعلام في الوزارة بين مدرستين سياسيتين مختلفتين جوهرياً. فقد عملت مدرسة شمير على التشهير المطلب بالجانب الآخر، وشرحت بأنه لا وجود لمن نتحدث معه، بينما عبرت مدرسة الإعلام لدى بيرس عن خط سياسي مختلف جوهرياً: يوجد من يمكن الحديث معه، ولهذا فإن السلام قابل للتحقق. كانت الفجوة بين مفاهيم اليمين واليسار عميقة، وعليه عندما تبدلت الورديات في مكتب الوزير، وجد رجال الإعلام في الوزارة صعوبة في تغيير القرص. كان صعباً على الدبلوماسيين التنكر للنظريات السياسية التي كان من نصيبهم لزمن طويل جداً.
لا تخلف حكومة بينيت – لبيد تحدياً كهذا للدبلوماسيين الإسرائيليين في عصرنا. فالمطلب بأن يحرصوا على نهج ابتسامي لا يلقي عليهم واجب التكيف مع تغيير سياسي حقيقي أو مع غد دبلوماسي جديد. وعليه، فطالما تواصلت دبلوماسية الأمس، فجدير بجلعاد أردان وأشباهه أن يواصلوا تمثيل الحكومة.
بقلم: آفي غيل
معاريف 27/1/2022