لا جدال في الازدواجية الأخلاقية التي تتبعها محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، التي وجدت من الصواب التحقيق مع دولة إسرائيل، وتتجاهل جرائم حرب لدول العالم. ولكننا إلى جانب الأقوال الحادة والتنديدات، مطالبون أن نسأل: ماذا بعد؟ كيف ينبغي لدولة إسرائيل أن تتصدى للواقع الذي يلطم وجهنا مرة تلو أخرى؟ نظام احتلال على ملايين الفلسطينيين، والمستوطنات في المناطق، والفصل بين اليهود والعرب، كلها تخلق أوضاعاً مستحيلة وتتسبب لإسرائيل بأن تكون عرضة لانتقاد شديد في أرجاء العالم. بالمقابل، فإن مواصلة تجاهل دولة إسرائيل للحاجة إلى الانفصال عن الفلسطينيين، قد تكلفنا غالياً.
لا توجد المسألة السياسية، كما هو معروف، على جدول الأعمال العام منذ زمن بعيد، لا من اليسار ولا من اليمين. وتتركز معركة الانتخابات الحالية، مثل سابقاتها، على محاولات الحفاظ على الحكم القائم مقابل الجهد لتغييره. كل هذا يحصل بينما تحتل الخلفية أزمة كورونا، والأزمة الاقتصادية التي تحل على بيوت كثيرة في إسرائيل، ومحاكمة نتنياهو، وهي أمور تجعل المسألة السياسية هامشية مرة أخرى، بحيث تبدو ظاهراً وكأنها غير ذات صلة. ولكن حتى لو كان النزاع في نظر الجمهور وقسم من منتخبيه يعتبر على سبيل الخطأ موضوعاً هامشياً، فتعدّ هذه في نظر الأسرة الدولية مسألة ملحة بل وقابلة للانفجار. بعد أربع سنوات من حكم ترامب، كانت إسرائيل في أثنائها محمية من القوة العظمى الأقوى في العالم، تأتي الصحوة الآن. كل من له عينان في رأسه يتوقع اليوم الذي يطرح فيه الاحتلال والضم العملي في المناطق مرة أخرى على طاولة المباحثات. وها هو أمام ناظرينا يرفع الواحد تلو الآخر الأعلام التي تشير إلى انتهاء عصر الكبت. تصريحات إدارة بايدن وتهديدات المدعي العامة في لاهاي مؤشرات أولية على عودة الموضوع إلى جدول الأعمال العالمي.
ليس تهديدات المدعي العامة في لاهاي ولا الانتقاد الدولي-سواء كان محقاً أم مزدوج الأخلاق – هي التي ينبغي أن تملي علينا خطانا. الأمر المركزي الذي ينبغي أن يقض مضاجع الجمهور الإسرائيلي هو الواقع الذي يعتمل تحت أنوفنا، ومن شأنه أن يتفجر في وجوهنا. عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين في الأسابيع الأخيرة يصل إلى ذرى جديدة. ونشهد إلى جانب ذلك عمليات أفراد في الضفة. وإذا أضفنا إلى ذلك واقع السلطة الفلسطينية الصعب، فإن الصدام التالي يكمن في الزاوية، وسيكون ثمنه أمنياً وسياسياً واقتصادياً وأخلاقياً. إن التصدي للمسألة المتفجرة في الساحة العسكرية – الأمنية أثبت فشله، ومطلوب هنا تغيير في التفكير واستيعاب بأنه لا يمكن إدارة النزاع على مدى الزمن، بل يجب حله حول طاولة المباحثات من خلال السعي إلى دولتين. الخطط موجودة، ولا حاجة إلا إلى إخراجها من الجوارير والعمل مع الولايات المتحدة وحلفائنا الجدد والقدامى من الدول العربية كي نصل إلى اتفاق تاريخي.
سواء تحدث رؤساء الأحزاب عن ذلك قبل معركة الانتخابات، أم بعدها، يجدر بأن يفهم الجميع بأن مسيرة سياسية حقيقية وحدها التي ستحمي إسرائيل من خصومها في المنطقة، ومن قضاة لاهاي، ومن نفسها أيضاً.
بقلم: اللواء احتياط عمرام متسناع
معاريف 16/2/2021