مؤخراً، وفي أعقاب مظاهرة عرب أم الفحم في مفترق الدخول إلى المدينة، أعربتُ عن عطفي للمظاهرة ونقدي لسلوك الشرطة. قلت التظاهر والاحتجاج مسموحان للمواطنين العرب أيضاً، خصوصاً عندما يطلبون تقليص العنف والجريمة في مجتمعهم. على الشرطة أن تساعدهم في ذلك وتمنع قدر الإمكان أعمال القتل، وتعتقل المجرمين، وتضع يدها على السلاح غير القانوني الموجود بكميات في شوارع المدن والقرى.
إن وظيفة الشرطة هي بالفعل فرض القانون والنظام في كل مكان يستوجب ذلك، دون تحيز، ودون تمييز. في الحالة إياها، استخدمت -كما رأيت في الصور- قبضة شديدة جداً ضد المتظاهرين. وكانت النتيجة أن ولّدت المظاهرة ضد العنف مظاهرة أخرى سرعان ما انزلقت إلى مناوشة عنيفة يتحمل الطرفان المشاركان فيها المسؤولية عن تدهورها. مهام كبيرة ملقاة هذه الأيام على شرطة إسرائيل، وعلى رأسها فرض الأنظمة التي قررتها الحكومة لحماية صحة الجمهور في الحيز العام، وفي كل التجمهرات وفي كل المظاهرات في تل أبيب والقدس وأم الفحم وطمرة. وفي حماية المجريات وأزمة الأحداث هذه، قد يخرج أفراد الشرطة عن حدود المسموح لهم ولعل هذا ما حصل في تلك المظاهرة المنفلتة العقال، التي انتهت بنحو عشرة جرحى، في أوساط أفراد الشرطة أيضاً.
يتصاعد العنف الداخلي في الوسط العربي، ونسمع يومياً عن مقتول أو مصاب، وفي الغالب دون أن يمسك بالمجرمين ودون معرفة دافع الجريمة. هكذا حصل في الأسبوع الماضي عندما قتل فتى ابن 15 في جلجوليا، وأصيب رفيقه بجروح خطيرة، وهو قتل لاقى صداه في كل وسائل الإعلام. قبل بضعة أيام من ذلك، أطلق النار على مدير عام بلدية قلنسوة وأصيب بجروح خطيرة. جرائم رهيبة لم يحل لغزها بعد. وجزء يسير من الجرائم ينشر. ثمة موجة متجددة من المظاهرات الحماسية نشبت في أوساط السكان العرب ضد الشرطة وأفرادها، وحماسة قيادتهم ضد الحكومة. وهذا عضو الكنيست العربي منصور عباس الذي يزعم أنه “لا يسير في التلم” لم يفلت من غضب المتظاهرين أيضاً.
إن الذنب بالجريمة المتواصلة في البلدات العربية يلقيه الناطقون كما أسلفنا على سلطات الدولة. ولكن إذا كان رئيس الوزراء مذنباً – وهو الذي خصصت حكومته 15 مليار شيكل للوسط العربي وفتحت تسع محطات شرطة في البلدات العربية – فيمكن القول أيضاً إن رئيس القائمة المشتركة مذنب أكثر بأضعاف. يخيل أن ما يشغل بال أيمن عودة وباقي رؤساء الجمهور العربي والنواب ورؤساء المدن هي ضائقة الاستطلاعات قبيل الانتخابات أكثر من ضائقة الجريمة. فقلقهم على وضع القائمة المشتركة في الانتخابات يخرج من حناجرهم كلما تطرفوا أكثر فأكثر. ويتساءل المرء: ماذا عن مسؤولية المجتمع العربي نفسه؟ متى تبدأ قيادة الوسط العربي في معالجة الأمور الداخلية، والغرب المتوحش، والعنف المستشري، وثقافة الثأر، وإطلاق النار بحرية، اليوم في هذه البلدة وغداً في بلدة أخرى؟ ماذا عن التعاون المناسب مع حماة القانون والنظام، ذوي البزة الزرقاء، ممن هم عرب، بدو ودروز في كثير منهم؟
أكتب هذا انطلاقاً من عطف على المجتمع العربي، لا لقيادته التحريضية. وواضحة تلك الصرخة التي تنادي لوضع حد للجريمة في القرى والمدن في المثلث، والجليل والنقب. والجيران اليهود أيضاً يعانون منه، ولكن لا يمكنهم إلقاء اللوم كله على الشرطة بما تحمله من أعباء. فهم من جهة يطلبون وعن حق مزيداً من حفظ النظام، ومزيداً من حضور الشرطة في البلدات، ومن جهة أخرى يصرخون بمرارة ضد الشرطة ويخرجون بحدة ضدها. فالمظاهرات والهتافات التي وجهت نحو الشرطة، بدعوى الدخول والعمل، غيرت الاتجاه، وباتت المظاهرات والدعاية ضد الشرطة وسلطات القانون. وأغلب الظن بسبب الانتخابات القادمة أيضاً.
إن رؤساء الجمهور العربي ملزمون بالعمل بجدية وليس فقط بالصراخ تجاه الحكومة في مظاهرات تخرج عن نطاق السيطرة، في ظل إطلاق شعارات عابثة عن “التسيب العنصري”، مثلما كتب النائب المتحمس يوسف جبارين. قد يكون مناسباً في نظرهم إثارة الحماسة في حملة الانتخابات، في ضوء الاستطلاعات المقلقة، ولكنها تصريحات لا تحل مشكلة الجريمة المتفاقمة. أفلا ينطبق قول هيلل العجوز وهو الحكيم اليهودي: إن لم أكن لي، فمن لي على المجتمع العربي في إسرائيل؟ أوليس من الأفضل التعاون مع الشرطة بدلاً من الوقوف ضدها؟ كلما تصاعدت المظاهرات حدة، في رسائلها وأهدافها، يقل العطف لها. فضلاً عن ذلك، طالما واصل المتظاهرون العرب – وهم لا يمثلون الأغلبية في المجتمع العربي، ورفعهم أعلام م.ت.ف في مظاهراتهم، فلا يلقوا باللائمة على دولتهم التي يثورون ضدها. فهذا ما ينبغي للشرطة أن تعالجه أيضاً. علم كراهية إسرائيل لا يرفع في فضاء إسرائيل.
بقلم: يوسي احيمئير
معاريف 15/3/2021