صحيفة عبرية لكوشنر و”حمار المسيح”: لا نأتمر لترامب.. وقيام دولة فلسطينية يعدّ انسحاباً من “وعد إلهي” لآبائنا

حجم الخط
2

أحزاب اليمين المسيحاني – القومي المتطرف، ورؤساء مجلس “يشع”، وأعضاء في الليكود، كلهم يعارضون مبادرة ترامب ويكشفون عوراتهم وعورة كل من يعارض حل الدولتين بذرائع مختلفة، أحياناً من خلال إدارة العيون. ورفضهم لحل الدولتين ينبع من إيمانهم المسيحاني. ولهذا -حسب رأيهم- لا يوجد أي ظرف أو اتفاق قد يسمح بوجود هذا الحل. وليس صدفة أن يكونوا متمسكين بموقفهم الرافض على طول النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، بل ولم يطرحوا في أي يوم بديل، باستثناء بديل يمس بالحلم الصهيوني لدولة ديمقراطية مع أغلبية يهودية.

بصورة مبدئية، أعطى جاريد كوشنر لنتنياهو والسفير فريدمان والسفير رون ديرمر ومستشاريهم من المستوطنات، شيكاً مفتوحاً موقعاً باسم الرئيس الأمريكي. وبقي عليهم فقط كتابة كل ما يخطر ببالهم. مبادرة ترامب التي تقوم على الرواية القومية المتطرفة – الاستيطانية تستجيب لكل الادعاءات والمطالب التي طرحها القوميون المتطرفون المسيحانيون في فترة عملية أوسلو، التي لم تتفق مع مواقف الطرفين أو مع هدف المفاوضات، لكن عدداً كبيراً من الجمهور الإسرائيلي صدقهم بسهولة.

وقال القوميون المتطرفون المسيحانيون بأنهم لن يتنازلوا عن غور الأردن لاعتبارات أمنية: إن ترامب -الذي لا يرى الأفضليات الأمنية الكامنة في اتفاق السلام مع الأردن- يقترح ضم كل الغور لإسرائيل.
ثم قالوا إنه لا يمكن وضع أمن إسرائيل في أيدي الفلسطينيين أو في أيدي طرف ثالث: لقد وضع ترامب -الذي لا يعرف الحقوق “الأصيلة” الممنوحة لكل دولة من خلال كونها دولة- في أيدي إسرائيل السيطرة على كل الحدود الفلسطينية، والصلاحية الأمنية الشاملة على كل المنطقة، والمسؤولية الأمنية عن الجيوب الإسرائيلية التي ستبقى في المناطق الفلسطينية، وكذلك على الجيوب الفلسطينية التي ستبقى في المناطق الإسرائيلية التي ستضم، بما في ذلك محاور الحركة إليها، والمواقع الأربعة الاستراتيجية (قاعدة باعل حتسور، جبل عيبال، منطقة متسدوت يهودا وهار غيلو). وقد أبقى في أيدي إسرائيل أيضاً السيطرة على كل المجال الجوي والمجال البحري والفضاء الإلكترومغناطيسي والسيطرة الكاملة على جميع المعابر الحدودية.

لقد قالوا إن القدس غير قابلة للتقسيم: يُبقي ترامب -الذي يبدأ تاريخ القدس عنده في 1967- شطري المدينة تحت سيادة إسرائيل، بما في ذلك البلدة القديمة والحرم، بل وفصل عنها الـ 100 ألف فلسطيني الذين يعيشون في الأحياء المهملة التي تقع خلف الجدار الأمني والتي سماها لجهله “القدس” (شرقي القدس).

وقالوا بأن البلاد ستغرق باللاجئين الفلسطينيين: ترامب -الذي يتجاهل الرواية الفلسطينية تماماً- يرفض أي عودة للاجئين إلى إسرائيل، بل يترك لليد الإسرائيلية حق الفيتو على عدد اللاجئين الذين سيعودون إلى المناطق الفلسطينية.

قالوا أيضاً بأنه يُمنع إخلاء أي مستوطنة: يقترح ترامب -الذي لا يعترف بالمواثيق والقرارات الدولية- أن يضم لإسرائيل 30 في المئة من أراضي الضفة مع 96 في المئة من المستوطنين (الباقون سيتم ضمهم كجيوب)، مقابل 14 في المئة فقط داخل الخط الأخضر. هذا من خلال خلقه حدوداً جديدة مع فلسطين، وهي الحدود الأطول بثلاثة أضعاف من كل حدود إسرائيل، والتي ستجبر الجيش الإسرائيلي كله على أن يتحول إلى حرس حدود.

وقالوا بأن الأقلية العربية في إسرائيل يجب أن تكون جزءاً من الصفقة: يقترح ترامب أيضاً –وهو الذي لا يفهم معنى “مواطنة”- نقل 160 ألف إسرائيلي عربي إلى فلسطين. وحسب خطته، فإن 150 ألفاً آخرين مرشحون للنقل.

قمة المفارقة، ولن نقول الصلف، هي غضب المستوطنين من أن الصفقة التي بلورها ترامب مع نتنياهو بدون الفلسطينيين، مشروطة بأن تعترف إسرائيل بـ “الدولة” الفلسطينية. وبسبب غبائه، فإن ترامب يسمي “دولة” الكيان الفلسطيني الموهوم الذي يمكن أن ينشأ -حسب الصفقة- بدون حدود خارجية، وبدون سيطرة على الجو والبحر، وبدون عاصمة، وبدون مسؤولية أمنية، وبدون اقتصاد مستقل، ومنزوعة السلاح على خمس مناطق تكون ذات تواصل مواصلاتي مصطنع. وهذا لأن موقف القوميين المتطرفين المسيحانيين يقوم على التفسير الغريب للحاخام موشه بن نحمان، الذي ترجم وصايا العيش في البلاد كاحتلالها ووضعها تحت سيادة يهودية “لأننا أمرنا بوراثة هذه البلاد التي أعطاها الله لآبائنا. ولن نتركها في أيديهم أو أيدي غيرهم من الأمم في أي جيل من الأجيال”.

الأمر الذي يثير الغضب أكثر هو الادعاء بتحويل الـ 17 مستوطنة الصغيرة التي تقع في ظهر الجبل وفيها أقل من 17 ألف مستوطن –التي يعدّ هدف إقامتها الإضرار بالتواصل الفلسطيني– تحويلها إلى جيوب إسرائيلية تقسم الشوارع الواصلة إليها الأراضي الفلسطينية، ستبقى تحت المسؤولة الأمنية الإسرائيلية. إن رد فريدمان بإمكانية البناء العمودي في الجيوب الإسرائيلية يعكس العمى الثقافي والسياسي للسفير. فهذه الجيوب ستكون مثل غرس إصبع في عين القومية الفلسطينية، بل هي أيضاً -حسب فريدمان- ستمتد إلى مسافة أبعد.

المستوطنون قلقون من وجود 43 جيباً فلسطينياً في المناطق التي ستضمها إسرائيل مع 106 آلاف شخص من السكان. وسيكونون مسرورين لو جرى طرد هؤلاء السكان إلى خارج المناطق المضمومة، بروح التفسير الذي قدمه مناحيم فليكس، من رؤساء “غوش إيمونيم”، في جلسة المحكمة العليا الخاصة بـ”ألون موريه” في العام 1979. لقد أُمرنا – “لقد ورثتم الأرض وسكنتم فيها لأنني أعطيتكم البلاد كي ترثوها”. وهناك من يفسرها بـ “ورثتموها من سكانها وبعد ذلك سكنتم فيها”.

لا يوجد أي شيء جديد تحت الشمس، فهذا الرفض يتغذى على القومية المتطرفة المسيحانية. ولكن التاريخ القديم والحديث علّمنا بأن من يؤمنون بهذا الرفض مستعدون لدفع أي ثمن مقابل وهم تحقيق حلمهم، بما في ذلك خراب الدولة والشعب. وهم غير مستعدين للتنازل عن سنتيمتر واحد من أرض إسرائيل، رغم إعطاء حدودها تعريفات لا حصر لها في فترات مختلفة، بما في ذلك في التوراة. وهم يختارون التعريف الأوسع، والمناسب لهم. في 1937 أعلن الحاخامات الرئيسيون، رداً على تقرير لجنة بيل وعلى موافقة حاييم وايزمن ودافيد بن غوريون على فكرة التقسيم –من أجل إقامة دولة يهودية تنقذ يهود أوروبا من أنياب النازيين– بأنه “من ناحية دينية خالصة… كل تنازل عن وعي (عن مناطق في أرض إسرائيل) يشكل تدنيساً لقدسية البلاد”.

الحاخام تسفي يهودا كوك، الزعيم الروحي لـ”غوش إيمونيم” على مر أجيالها، أضاف فعلياً عدم التنازل عن أراض للجرائم الثلاث “التي لا يجب التنازل عنها أبداً – سفك الدماء، فعل أجنبي، وسفاح المحارم”. وحسب رأيه، كما تم التعبير عنه في مقابلة مع “معاريف” في 1974: “أورثتم البلاد وأسكنتم فيها… هي أمر واضح ومطلق، يشمل جميع الإسرائيليين، ويقول بأننا ملزمون في هذه البلاد وكل حدودها بالتضحية بالنفس عندما يأتي وضع من الإكراه، سواء كان من جانب الأغيار أو لا سمح الله من جانب يهود بسبب تشويشات سياسية أو تشويشات في الرأي، جميعنا ملزمون بأن نُضحي بأنفسنا وأن لا يمر هذا! سواء على يهودا والسامرة، أو هضبة الجولان، وهذا لن يمر بدون حرب! وقد سألني أحدهم إذا كنت أنوي القيام بـ “حرب أهلية”، لن أدخل إلى مصطلحات ولن أسمي أسماء، كيف سيسمون هذا الأمر، لكنها حقيقة. هذا لن يحدث.. لن يمر بدون حرب! على جثثنا وعلى أجسادنا! جميعنا”.

وحسب موقف المستوطنين المسيحانيين، فإن إقامة الدولة الفلسطينية ستكون انسحاباً من الوعد الإلهي “لوراثة البلاد” وخرقاً لقسم “ألا يبعدوا النهاية” –أي الامتناع عن القيام بأعمال تؤدي إلى ابتعاد الخلاص– خرقاً سيؤدي بالضرورة إلى عقاب. وهكذا كانوا قد فسروا الكارثة. وإن رفض يهود العالم للهجرة إلى أرض إسرائيل رغم أن العناية الإلهية فتحت الأبواب وأظهرت لهم أن الله يريد ذلك (بوعد بلفور وبصك الانتداب)، كان مخالفة للقسم المذكور أعلاه، لهذا عوقبوا.

الحاخام تسفي كوك كتب في كتابه “أرض الظباء”: “شعب إسرائيل أُخذ من عمق المنفى إلى دولة إسرائيل. سفك دماء الستة ملايين يعدّ قطعاً حقيقياً في الجسد القومي. الشعب كله يتلقى جراحة سماوية على يد الفاسدين… مع شخص يتمسك جداً بدنس أرض الأمم إلى درجة أنه ملزم بالانفصال والانقطاع عنها بسفك الدماء عندما تأتي النهاية… من خلال القطع القاسي… يتم اكتشاف موضوع حياتنا وهو بعث الأمة وبعث البلاد”.

العلمانيون من أوساط الذين يرفضون مبادرة ترامب، لأن فيها اعترافاً بدولة فلسطينية، يستندون إلى رأي الشاعر نتان الترمان، من مؤسسي “الحركة من أجل أرض إسرائيل الكاملة”. كتب الترمان في 1970 قبل شهر من موته في مقاله الأخير بعنوان “الهواية الجديدة”: “من اللحظة التي نعترف فيها بوجود وهم قومي فلسطيني، من تلك اللحظة.. تصبح كل الصهيونية سرقة وطن من أيدي شعب قائم. وفي حال أننا نساعد اليوم في تجذير هذا الوعي في العالم وفي وعينا الداخلي، فإننا نهز الأساس التاريخي والإنساني للصهيونية ونضعها على حرابنا”. اعتبر الترمان النزاع “لعبة صفرية المجموع”. وكما يبدو، لم يكن بإمكانه قبول نظرة “هذا وذاك” التي تعني بأن للشعبين الحق في تقرير المصير في وطنهما. والاعتراف بحق أحدهما لا ينفي حق الآخر.

وكل ما تبقى للمخلصين للصهيونية هو أن يأملوا بأن يكون الرفض تجاه القوميين المتطرفين المسيحانيين وأصدقائهم، “حمار المسيح” الذي سينقذنا من حلم مجنون غير الممكن للرئيس ترامب الذي قد يدمر كل قطعة جيدة في دولة إسرائيل وعلاقاتها مع الفلسطينيين ومع كل العالم.

بقلم: شاؤول اريئيلي
هآرتس 26/6/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية