كل ما ينقصنا الآن هو أن أولاد اليوم بدلاً من أن يرغبوا في أن يصبحوا أطباء، يريدون أن يكونوا بيضة قبان. نعم، هذه هي القيمة الجديدة التي تلمع على الرفوف وتحطم القيم القديمة مثل الوطنية والصمود؛ هناك من يسمونها “شعارات فارغة”. ولو عاد الشاعر سميح القاسم إلى الحياة وأنشد قصيدته الخالدة “منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي، في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي”، لأرشقوه بالحجارة.
لذلك، من أجل منع سوء الفهم، سأوضح: “إذا اقترحوا عليّ أن أكون بيضة قبان فسأرفض بشدة مع التوبيخ؛ لأنني في نهاية المطاف صخرة صلبة، بحسبها ستتم تسوية كل شيء. هناك من يعتبر ملاحقة الطرفين له “شطارة”، ولكنها عندي إهانة. ولو كنت في مكانهم لفحصت نفسي، ما الأمر غير السوي عندي. بل وفي كل أمر لي موقف، حتى لو شاهدت صراعاً بين الأسماك في قاع البحر فسأبحث عن الطرف المظلوم للوقوف إلى جانبه، لا أن أتخذ موقفاً وأنتظر من يرفع الثمن، هذا مخالف للطبيعة البشرية، على الأقل مخالف لطبيعتي البشرية.
حسب نظرية كفة الميزان، عليك التصرف مثل سلعة للبيع. والرسالة الموجهة للمواطن العربي هي أنه غريب في وطنه: الصقور – اليهود يتشاجرون، وعلى العربي اختيار الجانب الأجدى. ولا يهم إذا كان أحد الطرفين يؤيد التطهير العرقي.
العفو، ما هكذا يُفهم جوهر وجودنا هنا. نحن غير موجودين هنا كي نكون لاعبين للشراء، مرة في “مكابي حيفا” وأخرى في “بيتار القدس”. لا، نحن التيار، نحن الذين شقوا الطريق، أو على الأقل شاركنا في شق الطريق نحو حياة أفضل ومساواة لأبناء شعبنا، ولأبناء الشعب اليهودي أيضاً. ومفهوم عضو الكنيست منصور عباس يقزم العرب في إسرائيل، من أصحاب مصالح وطنية إلى سماسرة، ليس لهذا النتاج قام آباؤنا بالصلاة، ولن نترك إرثاً كهذا لأبنائنا.
صحيح أن اليسار في إسرائيل لا يعتبر شيئاً كبيراً، لكن مع ذلك من المحظور وضع كل اليهود في نفس السلة. ومع ذلك، هذا غير أخلاقي، حتى أنه مضحك، المقارنة بين موزي راز، مثلاً، وبتسلئيل سموتريتش. هذا يشبه وضع جميع العرب، بدون أي فرق، في نفس السلة من حيث الموقف والرؤية. ما يسمى باليسار، مع كل ما يحدده، يلتزم على الأقل على المستوى التصريحي، بمعايير عالمية: حقوق الإنسان وحرية التعبير وكرامة الإنسان وحريته. في حين أن قيم اليمين تنعكس في القومية، التي تنتقل بسهولة إلى القومية المتطرفة، الأمر الذي يؤدي إلى التمايز القومي، وبعد ذلك إلى العنصرية، وربما أسوأ من ذلك. لهذا، فإن اليسار في كل العالم، هو الحليف النهائي للتجمعات القومية المضطهدة.
وعلى الرغم من أن اليسار الذي كان من نصيبنا ما يزال أسير مفاهيم الماضي، لكنه غير مشوب بالفاشية. وفي المقابل، اليمين، فقط حركة واحدة نحو اليمين، وسيصبح في حضن الفاشية. انظروا أين وجد ايتمار بن غبير وسموتريتش مكانهما الطبيعي. هكذا هو الأمر، مع كل الانتقاد لحزب العمل وحزب “يوجد مستقبل”، إلا أنه لا يوجد مكان لبن غبير هناك.
هنا سننهي بنصيحة. لقد قالوا ذات يوم “النصيحة عند العرب تشترى بجمل”. بالعربية مفهوم “بيضة قبان” هو بالعبرية “لسان الميزان”، وكلاهما عضوان حساسان للإصابة. خطأ واحد وسيتم سحق اللسان، وحركة واحدة غير صحيحة وستتحطم البيضة. هل هذا هو المصير الذي يعدونه لنا؟ ريشة في مهب الريح؟
وإليكم نهاية صغيرة أخرى: إذا لم نكن بيضة قبان مثلما يظهر الأمر الآن، فهل سنقوم بطي الرايات. هاكم نبأ مثيراً: لنا خارج الكنيست خيارات كثيرة للنضال. الميادين تنتظرنا، من الشيخ جراح وحتى شارع بلفور.
بقلم: عودة بشارات
هآرتس 26/4/2021