أحد المفاهيم المقلقة الذي بلورته بصفتي رئيس لجنة الخارجية والأمن، أن إسرائيل “تتميز بقدرة تكتيكية مبهرة لكنها تخطئ في التفكير بأنه بديل مناسب لغياب استراتيجية قومية”.
منذ أكثر من ربع قرن وإيران تحاول تثبيت قوات عسكرية في أقاليم مختلفة، في محاولة لخلق قدرة على توجيه ضربة قاضية لإسرائيل. فإلى جانب الجهد لتحقيق قدرات عسكرية غير تقليدية، تبني إيران في المجال، من خلال وكلاء، قدرات تقليدية، تسمح بتوجيه ضربات نار ذات نجاعة متراكمة تحاكي في نتائجها ضربة نووية.
أما الرد الإسرائيلي على هذه الاستراتيجية الإيرانية المرتبة فهو سلسلة أعمال تكتيكية تحاول (تأجيل النهاية) والتغطية على غياب تبني استراتيجية جغرافية سياسية مضادة. هكذا كان حتى 7 أكتوبر، وثمة تخوف من تكراره في حدودنا الشمالية.
قررت إسرائيل قبل نحو عقد العمل في الجبهة السورية لإحباط تموضع المحور الإيراني، فيما سمي لاحقاً “المعركة ما بين الحرب”، فاتخذت أعمالاً تكتيكية فقط، دون محاولة التأثير على تصميم المنظومة السلطوية في سوريا، واكتفت بسلسلة ضربات تكتيكية بدلاً من محاولة تحقيق إنجاز استراتيجي واحد. أما في لبنان وغزة فتخلت عن العمل التكتيكي المتواصل، واتخذت قراراً عديم المسؤولية يسمح ببناء قوة عسكرية ذات مغزى فتحولت منظمات الإرهاب إلى جيوش إرهاب.
في غزة افترضنا بأن منظومة القبة الحديدية تعطي جواباً على تهديدات الصواريخ، بينما الاجتياح البري الذي كان يفترض للاستخبارات أن يشخصه وللجدار الذكي أن يصده انهار في 7 أكتوبر وتسبب بفقدان حياة نحو 1200 إسرائيلي. هذا الانهيار مس جوهرياً بعنصر الردع وبمكانة إسرائيلية في المنطقة.
في لبنان، اقترضنا زمناً في العقد الأخير، مثلما يقترض المال في السوق السوداء. كان علينا أن نبادر إلى عمل هجومي ضد قدرات “حزب الله” بينما كان غارقاً في الوحل السوري وإبقائه في مستوى التهديد التكتيكي. وهنٌ قيادي وقصر نظر عسكري أديا إلى اتخاذ قرار بعدم العمل واحتواء تثبت قدرات عسكرية ذات مغزى دون عراقيل تقريباً. باللغة الأدبية، نسمي هذا “مسيرة السخافة الإسرائيلية”. بدلاً من اتخاذ أعمال وقائية، تبنينا نظرية أن ميزان الرعب تجاه “حزب الله” سيؤدي إلى “صدأ” مخزون الصواريخ لديه، وعليه لا حاجة لاتخاذ خطوات فاعلة ودفع الثمن. إلى جانب هذا، أخذنا رهاناً جغرافياً سياسياً بأنه من المحال تكوين حلف دماء بين “حزب الله” وحماس، ومن هنا لا احتمال في اضطرار إسرائيل لمواجهة الجبهتين بقوى عالية. هذه الاستراتيجية تعشش في عقول الكثيرين والطيبين حتى اليوم. فهم لا يزالون مستعدين للتسليم بأن للإيرانيين الحق في اختيار شكل وموعد تجسيد القدرات التي جمعوها في لبنان.
تغيير فكري زعامي
إن الهزيمة التي تكبدناها في 7 أكتوبر في غلاف غزة شققت مفاهيم العدمية السياسية. وإسرائيل تتعلم أثمان التنازل عن أداة “الضربة الوقائية”، وأثمان التشكيك بفكرة وحدة الجبهات. عليها أن تفهم مدى محدودية نتائج تركيز الاستثمارات في “التكنولوجيا التي تتنبأ بالنوايا” وفي تطوير قدرات دفاعية فقط.
هذا يستوجب أولاً وقبل كل شيء تغييراً فكرياً زعامياً، وبلورة خطوات تقوم على أساس فاعلية استراتيجية وليس تكتيكية فقط.
إن التحدي في الشمال يضع إسرائيل أمام معضلة: هل حان الوقت لتغيير الواقع الاستراتيجي في لبنان، مثلما وعدت القيادة في بداية الحرب أم ستمتنع وتكتفي بإنجاز تكتيكي في المناطق المجاورة للحدود؟
لقد خلق نجاح حماس فكرة لدى الجمهور الإسرائيلي في أن المشكلة الاستراتيجية الجوهرية في الحدود الشمالية هي “قوة الرضوان” التي ستجتاح البلدات المجاورة للحدود. وإبعاد هذه قوة عن خط صفر الحدود سيكون إنجازاً تكتيكياً، بخاصة حيال استخلاص الدروس العسكرية الإسرائيلية من أحداث غلاف غزة. لكن التهديد الأهم من الشمال هو القدرة الصاروخية التي في لبنان.
إن ميزان الرعب في الشمال لن يتغير، ومشكوك أن تتاح عودة لاجئي الشمال إلى بيوتهم. وللمفارقة، سيتيح لإيران الحفاظ على قدراتها لضربة مستقبلية وإن خيل أن إسرائيل تغير قواعد اللعب في الشرق الأوسط، بل ووقوف الولايات المتحدة إلى جانبها عملياً وعسكرياً. ربما تجد إسرائيل نفسها تتباهى مرة أخرى بإنجاز تكتيكي بينما يواصل الإيرانيون تثبيت قوى استراتيجية، ويقترب اليوم الذي ستوجه فيه ضدنا.
تسفي هاوزر
إسرائيل اليوم 7/1/2024