في ساعة كتابة هذه السطور لم يكن قد أعلن بعد المنتصر في الانتخابات ولكن المهزوم بات واضحاً: العلم هُزم، قوة العقل هُزمت، والكذب أثبت بأن قوته عظيمة في متنه.
حتى لو أُعلن هذا الصباح المرشح الديمقراطي نائب الرئيس السابق، جو بايدين، رئيساً للولايات المتحدة، فإن الانتصار طفيف جداً، لم تتوقع الاستطلاعات سباقاً على هذا القدر من التلاصق، وها هي تخطئ مرة أخرى، وأنا أخطأت معها حين اقتنعت بأن المستطلعين تعلموا الدرس من الإخفاقات السابقة واستوعبوا التقصيرات وغرسوا التعديلات في أساليب الجمع والتحليل. الخطأ أليم هذه المرة، لأن ترامب لم يعد مثابة مفاجأة، ولا بايدن أيضاً. مزاياهما ونواقصهما وقوة جذبهما في جمهور المصوتين المختلفين كانت معروفة. وعلى الرغم من ذلك، أخفقت الاستطلاعات. أخفق علم الاستطلاعات، لأن الكثيرين ممن يكذبون في أجوبتهم، يكذبون بوقاحة. وقد تعلموا هذا من الزعيم.
بذات النجاح كان يمكن لترامب أن يهتف بأن كائنات فضائية اختبأت في صورة رؤساء الحزب الديمقراطي وجاءت الآن لصيد جماعي للساحرات.
ولكن فشل المستطلعين لا يعدّ شيئاً أمام الضربة التي تلقاها الفكر العلمي القائم على أساس الحقائق والبحوث. فكيفما حللنا نتائج التصويت، فبالصلة بوباء كورونا تبين أن نحو 50 في المئة من ناخبي أمريكا، زائد – ناقص نسب قليلة، يثقون بطبيب الصنم وناشر الأكاذيب الدائم ترامب وليس بأسرة العلوم والطب. يفضلون أن يطير عقلهم بإعلانات عديمة أي ذرة من أساس علمي على نمط “كورونا اختفى”. “الفيروس الصيني دمر”، ” الولايات التي تحت حكم الديمقراطيين لا تزال تعاني من الإصابة العالية”، وذروة الذرى: “الكمامة للأغبياء ولعديمي الشخصية”. كل هذه اقتباسات من الخطابات العقيمة التي أطلقها ترامب في مهرجاناته الانتخابية إلى جانب أقوال مثل “سيحشركم بايدن في بيوتكم وسيفرض الشيوعية في أمريكا”.
بذات النجاح كان يمكن لترامب أن يهتف بأن كائنات فضائية اختبأت في صورة رؤساء الحزب الديمقراطي وجاءت الآن لصيد جماعي للساحرات – وعشرات ملايين “ناخبيه” كانوا يسيرون وراءه كالمخدرين. كان يخيل أن الانتخابات الأمريكية تجرى في دولة عالم رابع في أيام ظلماء تتنكر للإيدز. وأتساءل هل كان يمكن لترامب أن يجرف وراءه نصف أمريكا حتى لو ادعى بأن الكرة الأرضية مسطحة، وكونها بيضاوية إنما هي فكرة جاءت لتخدم النخبة الديمقراطية. معقول أن نعم.
وهذا يحصل في دولة ذات مراكز طبية الأكثر تقدماً في العالم وكليات الطب المتميزة والجامعات الرائدة في العالم ونسبة أصحاب التعليم العالي الأعلى في العالم. وفي دولة أعطت للاإسانية لينكولين وأديسون وغيتس واجترفت جوائز نوبل أكثر من باقي العالم مجتمِعاً. والآن ترامب.
ظاهراً، يقف ترامب في صف واحد مع مسيرة غير قصيرة من رؤساء دول يشبهونه في أسلوب الحديث العنيف، والسلوك الشعبوي الفظ أمام المواطنين، والحب الذاتي بلا كوابح. ومع ذلك ثمة فوارق. ترامب بجهله يتفوق على الجميع، من بوتين الروسي وحتى نتنياهو الإسرائيلي، وبحجوم كبيرة. بلا رتوش يحتقر النساء والأقليات، والمحتجين، والعاطلين عن العمل، وقادة الجيش والاستخبارات، وعباقرة التكنولوجيا العليا، ومؤخرا على نحو خاص رجال العلم والأدب. إن حقيقة أن ربع مليون أمريكي توفوا بكورونا ومئات الآلاف تبقوا عميقاً في المرض لا تحرك فيه ساكناً.
ثمة من يدعي بأن ناخبي ترامب – كما أسلفنا، نصف أمريكا – تغلبوا على نفورهم من شخصيته ومسرحياته وتجاهلوا تيار أكاذيبه عن كورونا، أسبابها وقوتها، لأن وضع الاقتصاد الأمريكي ممتاز، استثنائي في العالم. ليس صحيحاً: في الأشهر التسعة الأولى من العام 2020 لم يكن للاقتصاد الأمريكي أداء أفضل من الاقتصاد الأوروبي (وأسوأ جداً من الاقتصاد الصيني) – لا في النمو، ولا العمالة، ولا العجوزات، ولا الديون ولا في المنظور إلى المستقبل. وحده أداء البورصة النيويوركية يفوق أداء البورصات الأخرى. ليس بفضل ترامب – رغماً عن ترامب.
في ساعة كتابة هذه السطور لا تزال أصوات مصوتي أمريكا تحصى والقلب لا يزال يتفطر. هذه الدولة الرائعة بقيت على قيد الحياة كيفما اتفق، فاجتازت سنوات ترامب. وهذه شهادة مشجعة على حصانتها. ليس مؤكداً أنها تنجو، أو كانت ستنجو، أربع سنوات أخرى تحت رئاسته.
بقلم: سيفر بلوتسكر
يديعوت 5/11/2020