قبل نحو شهرين أصيبت وقتلت صحافية “الجزيرة” شيرين أبو عاقلة بمخيم اللاجئين في جنين. اتهام إسرائيل لموتها عمداً كان رد فعل شبه شرطي. وتبين من تحقيق الجيش الإسرائيلي الذي نشر بعد يومين من الحادثة، أن هناك مصدرين محتملين للنار: الأول، أن يكون المسلحون الفلسطينيون أطلقوا النار فأصابوها فيما كانوا يقصدون المركبات العسكرية؛ الثانية، أن يكون جندي أطلق النار من داخل جيب نحو مخرب وقف قرب الصحافية فأصابها بالخطأ. مهما يكن من أمر، يفترض التحقيق أنه أصيبت بالخطأ. فلماذا لا توجد نتائج مطلقة يقيناً؟ لماذا لم يحقق مع الجنود الذين كان يمكن أن يكونوا مشاركين في الحادثة؟ لأن الفلسطينيين يحتجزون الرصاصة التي أدت إلى موتها، ويرفضون نقلها إلى التحقيق، ويرفضون التحقيق المشترك الذي يمكنه أن يلقي الضوء على ملابسات هذا الموت الزائد.
بشكل غير مفاجئ، في التحقيقات الأمريكية والفلسطينية يبدو الواقع مختلفاً: الـ CNN والـ “نيويورك تايمز” نشرتا تحقيقات تبين أن إسرائيل وحدها هي المتهمة بموت أبو عاقلة، سواء بالخطأ أم بالعمد؛ أما الفلسطينيون فقد بالغوا إذ نشروا “تحقيقاً” يقول إن النار على شيرين أطلقت من الخلف حين حاولت الهرب من قوات الجيش الإسرائيلي الذين ببساطة فتحوا النار على الصحافيين، مثلما نعرف أن الجيش الإسرائيلي يحب عمل ذلك.
لكن المصلحة الإسرائيلية عكس ذلك، والضرر الكامن في قتل أبو عاقلة أكبر بأضعاف من المنفعة التي في إسكاتها. فلماذا يطرح الموضوع مرة أخرى؟ لأن الفلسطينيين لا يتنازلون بسهولة عن قصة جيدة يمكنها أن تخرج إسرائيل شيطاناً. بعد أن فقد النزاع الفلسطيني الكثير من اهتمام الجمهور في العالم به، فموت الصحافية بث فيه الروح مجدداً. وطرحت زيارة الرئيس الأمريكي القريبة القصة مرة أخرى، وضغطت الإدارة الأمريكية على الفلسطينيين لتسليم الرصاصة التي زعم أنها استخرجت من جسدها لأجل “الوصول إلى اختراق في التحقيق”، وتقرر أن ليس واضحاً من الذي قتل.
قد تكون هناك فحوصات إضافية، وسنتعاون معها أيضاً بدلاً من الوقوف والقول بمنطق وثقة بأنه فحص عديم المعنى؛ إذ كان ممكناً تشويشه تماماً على مدى الزمن. قد يبدو هذا هاذياً، لكنها إمكانية معقولة جداً حين يدور الحديث عن الفلسطينيين: مئات المخربين أصيبوا فقتلوا بنار قواتنا. ما المشكلة في أخذ رصاصة كهذه وتنظيفها وتنقيط بضع قطرات دم الصحافية عليها؟ هكذا يكون هناك دي.ان.ايه، سيقول العرب، وسيصدق العالم القصة بأن الجيش الإسرائيلي أخفى السلاح الذي أطلق النار فقتل، وهذا هو. كما أن مئات من الأسلحة العسكرية الإسرائيلية المسروقة تتجول في جنين لن تغير من الأمر شيئاً.
بضع كلمات للختام. صحافي الحرب بطل؛ فهو يروي قصة مهمة ويعرف أنه يعرض حياته للخطر في سبيل ذلك. من شأنه أن يقتل بخطأ ما من الطرفين، وهو يأخذ هذا بالحسبان. نعرف أن الجيش الإسرائيلي، لأسفنا الشديد، يمس أحياناً بجنوده بالخطأ أيضاً، ومفهوم أن أحداً لا يتهمهم بالقتل. ومع ذلك، مئات الصحافيين قتلوا ويقتلون في مناطق القتال في العالم، ولا أحد يفحص، باليستياً، أي رصاصة. فقط نحن. ما الجديد؟
بقلم: كرني الداد
إسرائيل اليوم 6/7/2022