روغل الفر (“هآرتس”، 25/9)، اعتبر خطاب يئير لبيد في الأمم المتحدة، الذي عبر فيه عن دعم صريح لحلم تقسيم البلاد إلى دولتين، فرصة لمواصلة تطوير نقده لنموذج الدولتين ومن يؤيدونه. عرض الفر سيناريو رعب يتمحور حول إخلاء عنيف لجمهور المستوطنين، الذي سيقترن به تطبيق حل الدولتين، حسب قوله. هؤلاء المستوطنون، يقول الفر، يعيشون لأسباب أيديولوجية بعيداً عن الجدار الأمني، وهم “أكبر بعشرة أضعاف، وبعشرة أضعاف من التطرف الفكري مقارنة مع مستوطني غوش قطيف”. هذه العملية، كما يتوقع الفر، ستثير باحتمالية عالية جداً العنف بين اليهود أنفسهم إلى درجة حدوث حرب أهلية، لذلك، حسب رأيه، يدور الحديث عن تحد كبير جداً يواجه المجتمع الإسرائيلي، حتى لو مال معظم الجمهور إلى الوسط السياسي.
المشكلة الرئيسية في تحليل الفر تكمن في ميل للنظر إلى إخلاء مستقبلي مقدر في الضفة من خلال منظار الانفصال عن قطاع غزة. ولكن الانفصال يمثل النموذج السلبي، الذي يجب أن نتعلم منه كيف يُحظر تنظيم وتنفيذ إخلاء سكان مدنيين. مناقشة دروس الانفصال تعرضها دراسة مستنيرة بعنوان “إخلاء مدني غير عنيف: إعادة النظر في إنهاء مشروع الاستيطان”، التي تم جمعها معهد “مولاد” (مركز تجديد الديمقراطية) ونشرها في تشرين الأول 2021 من قبل. وهو بحث أشار بوضوح، خلافاً لما يظهر من كلامه، إلى أن اليسار السياسي يتعامل بجدية مع الصعوبات التي أثارها الفر.
استناداً إلى تقرير لجنة التحقيق الرسمية لفحص معالجة المخلين من “غوش قطيف” وشمال “السامرة”، التي قدمت استنتاجاتها في العام 2010، واستناداً إلى مصادر نقدية أخرى تناولت الانفصال، أشار البحث إلى ثلاث مشكلات أساسية لها صلة بتخطيط إخلاء مستقبلي في “يهودا والسامرة”: الأولى، أن الجدول الزمني الذي خطط لتنفيذ الانفصال كان قصيراً إلى درجة أنه غير معقول (سنة وثمانية أشهر بعد إعلان أريئيل شارون عن نية الانسحاب من القطاع وحتى الانسحاب نفسه)، رغم أن عملية إخلاء معقدة لمدنيين أكبر يجب أن تتم بالتدريج وبأعداد مسبق.
الثانية، أن الانفصال كان أحادي الجانب، لم يتم في إطار اتفاق سياسي ولم يتم تنسيقه مع الجهات التي تم نقل الأراضي إليها، ولم يتم ضمان أي مظلة دبلوماسية له. وكانت النتيجة شعور بأنه تم المس بأمن المخلين. وليس هذا فقط، بل إن لديه ولدى أوساط كثير من الجمهور الواسع، شعوراً بأن الأمر يتعلق بتنازل جغرافي دون مقابل، الأمر الذي زاد من شدة معارضة الإخلاء في أوساط المستوطنين وعمق الشكوك أيضاً في أوساط كثير من الإسرائيليين فيما يتعلق بجدوى هذه العملية. هذه النقطة تتصل بشكل مباشر بالادعاء المبرر للفر بشأن الحاجة إلى إقناع معظم الإسرائيليين بضرورة الإخلاء. هنا إذاً، يكمن الرد المحتمل الوحيد على هذه الصعوبة: يجب أن يكون الإخلاء جزءاً من اتفاق سياسي شامل، يعلن بوضوح عن نهاية النزاع.
المشكلة الثالثة وبارتباط واضح مع المشكلتين السابقتين، بسبب الطابع الضاغط والمحدد زمنياً لعملية الإخلاء، وعلى خلفية عدم الهدوء الأمني المتواصل الذي نبع من الطابع أحادي الجانب للعملية، تم وصف عملية الانفصال وتم تأطيرها في وسائل الإعلام بمفاهيم متشددة، حيث تهديد الحرب الأهلية يحلق فوق الخطاب العام. لذلك، تم نقش هذا الحدث في الذاكرة العامة كحدث صادم ودراماتيكي، مثلما يتردد صداه في أقوال الفر، الذي يتمسك بسيناريو رعب الحرب الأهلية، الذي يعزز ثقته في استحالة حل الدولتين. كل ذلك رغم حقيقة أن أي سيناريو من سيناريوهات الرعب لن يتحقق في فترة الانفصال، ورغم أن احتمال تحققه في إطار اتفاق الإخلاء منخفض جداً.
يجب تأكيد حقيقة، يدركها الفر أيضاً، أن نحو 80 في المئة من المستوطنين في الكتل الاستيطانية يمكنهم البقاء في أماكنهم، وفق أي إطار اتفاق مستقبلي (الذي اقترب منه الطرفان جداً في أنابوليس عام 2007)، وهكذا فإن الـ 20 في المئة، 150 ألف شخص الذين يوجدون شرق مسار جدار الفصل المصادق عليه في عمق الأراضي الفلسطينية، ما زالوا يعتبرون عدداً كبيراً جداً.
البحث الذي أجراه معهد “موليد” يعترف بأن إخلاء بهذا الحجم قد يثير معارضة كبيرة في أوساط هؤلاء المستوطنين. ورغم ذلك، جاء في البحث بأن الاستناد إلى دروس الانفصال عن القطاع، وإلى جانب تقليل تدريجي مراقب ومتفق عليه مسبقاً للدعم الاقتصادي والقانوني لهذه المستوطنات، سيكون بالإمكان التوصل، في إطار العملية السياسية الجديدة، إلى إنهاء هذا المشروع بشكل غير عنيف.
لكي يحدث كل ذلك، يجب على الطرفين العودة إلى طاولة المفاوضات على أساس مسار أنابوليس واقتراح إيهود أولمرت. ومن أجل ذلك، المطلوب من الطرف الإسرائيلي (والطرف الفلسطيني أيضاً) دعم واضح من قبل معظم الجمهور. نأمل أن يتبنى لبيد، علناً، حلم الدولتين، وتشجيع من يؤيدونه على السير وراءه في هذا المسار، ما سيشير إلى خطوة حقيقية أولى نحو توسيع دائرة الذين يؤيدون استئناف العملية السلمية في أوساط كثير من الإسرائيليين، من الوسط المعتدل.
بقلم: ديمتري شومسكي
هآرتس 3/10/2022