من السهل رفض زيارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في إسرائيل والسعودية على اعتبار أنها زيارة غير مهمة لزعيم ضعيف وغير محبوب، وفرصته في انتخابه لولاية ثانية معدومة. ولكن حتى لو كان دعمه الجماهيري في الحضيض إلا أن رجل البيت الأبيض يتحكم بالسياسة الخارجية وأمن الدولة العظمى الأقوى في العالم، ولديه حرية عمل واسعة جداً في إدارة العلاقات مع دول صديقة ومعادية. إعلان نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، بأنه سيسافر لزيارة مضادة إلى طهران، طور رحلة بايدن دفعة واحدة، وأظهر بأن مضموناً استراتيجياً مهماً جداً يختفي خلف المراسم المتزامنة والتصريحات الاحتفالية وتبادل الضحك مع المستضيفين وبادرات حسن النية الشخصية التي يتميز بها الضيف بشكل خاص.
في مركز الحملات المتقاطعة لبايدن وبوتين اتفاق نووي بين الدول العظمى وإيران؛ بايدن يريد إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق الذي انسحب منه سلفه دونالد ترامب. ورفع العقوبات عن إيران هو الطريقة القصيرة والأكثر نجاعة لوقف ارتفاع أسعار النفط، الذي يصيب الناخبين الأمريكيين بالهستيريا، وفي الوقت نفسه إضعاف روسيا التي يرتبط اقتصادها بالسائل الأسود والغاز الطبيعي الذي تصدره. الحساب سهل: نفط مرتفع السعر سيمكن بوتين من مواصلة حرب الاستنزاف في أوكرانيا، التي تجذب إليها اهتمام وموارد الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا. نفط رخيص سيقصر طول نفس روسيا ويؤدي إلى تقصير الحرب، أو على الأقل كبحها إلى مستوى تكون فيه محتملة في الغرب.
مشكلة بايدن هي أن صفقة أحلامه مع الإيرانيين تثير وبصورة أقل حماسة الصديقتين المخضرمتين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط: السعودية وإسرائيل. وكلتاهما تلاحظ التقارب الأمريكي مع طهران مثل تهديد محتمل لمكانتهما الإقليمية. وهما تجلسان على الجدار في الحرب الأوكرانية ولا تنضمان إلى استعراض العضلات للغرب أمام بوتين. بايدن لم يعاقب السعودية أو إسرائيل على موقفهما من أوكرانيا، والآن سيحاول تمرير الاتفاق النووي في حلق رئيس الحكومة يئير لبيد وولي العهد السعودي (حاكم المملكة الفعلي) محمد بن سلمان. ما يسمى “اشرح لهم حتى يفهموا”.
المقابل الذي يعرضه بايدن على إسرائيل مزدوج: سحب أيدي أمريكا من الموضوع الفلسطيني، الذي هو أكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل من إيران، حتى لو أعلنوا خلافاً لذلك مائة مرة. وتعميق ترتيبات الأمن الإقليمية التي تم وضعها في عهد ترامب، وعلى رأسها دمج إسرائيل في المنظومة العسكرية لقيادة المنطقة الوسطى الأمريكية، إلى جانب دول الخليج والأردن ومصر. الكشف الجزئي عن العلاقات الأمنية بين السعودية وإسرائيل بعد سنوات من الإخفاء والرقابة المشددة، استهدف الكشف بأن هناك من يمكن التحدث معه وعلى من نعتمد، وأن الاتفاق مع إيران لا يعتبر نهاية العالم أو نهاية الصهيونية أو بداية لكارثة ثانية.
السعودية ستحصل من بايدن على عفو علني على قتل الصحافي معارض جمال خاشقجي، الذي بسببه قاطعت الإدارة الأمريكية الحالية في واشنطن محمد بن سلمان. ما العمل، أسعار النفط أهم بالنسبة لأمريكا أكثر من حقوق الإنسان في دول بعيدة. الزيارة الرئيسية ستكون ذهاباً لدفع غرامة، وستظهر أن صبر السعودية قد أثمر، وأن بايدن سيضطر إلى أن يركع (مجازياً) أمام ولي العهد. ثمن الصورة سيكون مجدياً لبايدن، إذا حصل في المقابل على تخفيف في أزمة الطاقة وأزال عقبة أخرى أمام التوصل إلى اتفاق مع إيران.
لكن الشخص الذي سيحدد ما إذا كانت جولة بايدن ستنتهي بالنجاح أو الفشل، لا يظهر على جدول الأعمال الرئاسي، وهو الزعيم الروحي الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي. بيده القلم لإعادة التوقيع على الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن بلاده. إذا وقع وأعطى إشارات على التقارب مع الغرب، فستتغير منظومة القوة الإقليمية وستحظى إيران بازدهار اقتصادي وبالشرعية الدولية التي تنقصها الآن. أما إذا رفض وتمترس في مواقعه فسيزداد التوتر وترتفع أسعار النفط. وستعزز إيران موقعها في الكتلة المناهضة لأمريكا مع الصين وروسيا.
بوتين كما يبدو قلق مما سيفعله خامنئي. جولته القريبة لطهران يمكن فهمها كمحاولة لمنع الصفقة التي ستؤدي إلى انخفاض أسعار الطاقة، والحصول -حسب الإدارة الأمريكية- على تعويض أمني من الإيرانيين على شكل طائرات هجومية مسيرة، وهو نفس السلاح الذي استخدمته أوكرانيا بنجاح كبير ضد الجيش الروسي. هكذا يتمتع خامنئي بمكانة نادرة كحكم بين الدول العظمى. في الأسابيع القريبة القادمة، سيتبين إذا كان ينوي التوصل إلى اتفاق. وعندها أيضاً سنعرف إذا كان بايدن قد نجح في جولته أم أنه خرج خاسراً، مثلما في الاستطلاعات المحبطة في الداخل.
بقلم: ألوف بن
هآرتس 14/7/2022