ناصر أبو حميد لم يكن مجرد “مخرب” أو “مسلح” آخر. نجح في حياته، ومماته أيضاً، بأن يصبح رمزاً للكفاح الفلسطيني المسلح ضد إسرائيل، وبقدر كبير رمزاً للانتفاضة الثانية. بخلاف الادعاءات الأخيرة التي تحاول السلطة الفلسطينية نشرها، بأن الإهمال الطبي أدى إلى وفاته، فإن أبو حميد مات نتيجة لمرض السرطان. ومع أنه لم يقتل في أثناء عملية أو “عمل بطولي” كما درج الفلسطينيون على وصف هذا بالعربية – أصبح بطل الشارع الفلسطيني، بطلاً يريد كثيرون محاكاته الآن ليكونوا مثله.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية من ناحية إسرائيل: عمل أبو حميد كمخرب خطير يشجع العمليات المضادة، سيعطي إلهاما لشبان كثيرين أبناء جيل كامل من الفلسطينيين لا يتذكرون أحداث الانتفاضة الثانية، وربما لم يكونوا ولدوا في حينه. أبو حميد وأمثاله من أبناء جيله هم الآن وجع الرأس الصغير لإسرائيل مقارنة بالجيل الجديد من الفلسطينيين الذي يمقت إسرائيل جداً ويعتقد أن الطريق الوحيد لمواجهتها هو طريق البندقية. تماماً مثل شعارات المنظمات الفلسطينية من الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فإن الشباب الفلسطيني يرى أيضاً بـ “البارودة” ما سينصر الكفاح.
استطلاع معهد بحوث خليل الشقاقي نشره قبل أسبوع ونيف، يظهر أن 72 في المئة من المستطلعين أيدوا إقامة ميليشيات مسلحة، على نمط “عرين الأسود” في نابلس. نحو 80 في المئة عارضوا استسلام هذه الميليشيات وتسليم أسلحتهم للسلطة الفلسطينية. نحو 60 في المئة توقعوا اتساع أعمال هذه الميليشيات وعدم انحصارها في مدن شمال الضفة.
معدل التأييد للرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) الذي يعارض العنف، آخذ في الانخفاض. ولو أجريت انتخابات للرئاسة وترشح لها أبو مازن مقابل رئيس حماس إسماعيل هنية، فالأخير سينتصر عليه سيراً على الأقدام (54 في المئة لهنية مقابل 36 في المئة لعباس). الأمر الوحيد الذي قد ينقذ “فتح” من الهزيمة هو منافسة زميل أبو حميد في تأسيس كتائب الأقصى مروان البرغوثي في انتخابات الرئاسة (برغوثي 61 في المئة، هنية 34 في المئة).
إن استئناف أعمال أعضاء “عرين الأسود” في نابلس والمسلحين في جنين في الأيام الأخيرة، يوضح كما في حالة أبو حميد، أن لا فراغ في واقع النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، ولا يوجد توقف. والمطلوب اعتقال أحدهم أو موته أو قتله، وسيقوم على الفور من يحلون محله. لناصر أبو حميد خليفة أو بديل، وقصته وقصة عائلته تجسد ذلك.
أربعة من إخوان ناصر هم الآن داخل سجون إسرائيل ومحكومون بالمؤبدات. وثمة أخ آخر، هو عبد المنعم، أصبح “شهيداً” بعد أن قتله رجال “الشباك” و”اليمام” بالرصاص في قرية الرام. اعتُبر عبد المنعم رجل حماس. اعتقله جنود وحدة “دوفدفان” في كانون الأول 1993 في بيته في مخيم اللاجئين “الأمعري” في رام الله، ونقل إلى جهاز “الشاباك”. في أثناء فترة اعتقاله، استسلم ظاهراً للضغوطات التي مورست عليه، ووافق على التعاون مع إسرائيل. لكن في 13 شباط 1994 أعد كميناً لمسؤول “الشاباك” الذي كان يُفعّله، نوعم كوهن، ونجح في قتله وإصابة حراسه. بعد مرور بضعة أسابيع، نجح “الشاباك” و “اليمام” في العثور عليه حين نزل من باص في قرية الرام شمالي القدس وقتلوه.
ناصر الذي اعتقل في 1990 وحكم 9 مؤبدات على قتل عملاء، تحرر في تلك السنة عقب اتفاقات أوسلو. في بداية الانتفاضة الثانية، أقام مع مروان البرغوثي ومجموعة أخرى من مسلحي تنظيم فتح كتائب شهداء الأقصى، الذراع العسكري للمنظمة. يعد أبو حميد منذ بداية طريق كتائب الأقصى أحد المتطرفين في الجماعة. في 2002 اعتقلته قوة احتياط من “دوفدفان”، وحكم هذه المرة 7 مؤبدات و50 سنة أخرى.
في 2007، حين وصلت لمقابلة السجناء في أحد السجون الإسرائيلية، دخل ناصر إلى حجرة سجناء حركة فتح، وأبلغني بأنه إذا لم أخرج من الحجرة والقسم سيقتلني، وذلك بسبب أمور كتبناها، أنا عاموس هرئيل، في كتاب “الحرب السابعة” بأن كثيرين من أعضاء كتائب شهداء الأقصى كانوا سراقي سيارات ومجرمين. بعد مرور بضعة أشهر، سجلت “صلحة” بيني وبين ناصر، دعيت لمرافقة تحرر أخ آخر له، إسلام، من السجن. كانت المسيرة احتفالية جداً وتضمنت وضع إكليل من الزهور على قبر عرفات. كان إسلام هو المخرب الذي قتل مقاتل “دوفدفان”، رونين لوبرسكي، حين ألقى عليه طوبة في أيار 2018. اعتقل وحكم بالمؤبد.
قصة ناصر تكشف أيضاً شيئاً ما عن صراعات الخلافة التي تجري هذه الأيام في السلطة، بينما أبو مازن على قيد الحياة. مقربو أبو حميد نشروا كتاباً كتبه في الشهرين الأخيرين من سرير مرضه، يعرب فيه تأييده غير المتحفظ بقيادة مروان البرغوثي. في قول يفسر كبصقة في وجه حسين الشيخ الذي يحاول بكل سبيل تحديد نفسه كخليفة الرئيس الفلسطيني ابن الـ 87، كتب أبو حميد للبرغوثي (الذي يوجد في السجن ومحكوم بخمس مؤبدات)، “الوطن وديعة في يديك”.
بقلم: آفي يسسخروف
يديعوت أحرونوت 22/12/2022