بعد بضع ساعات على عملية قتل ثلاثة من أبناء عائلة جاروشي، من بينهم الفتاة ابنة 16، وابنة 8 التي أصيبت إصابة بالغة، جلس محلل يهودي في أستوديو التلفزيون وقدم المواعظ الأخلاقية للمجتمع العربي “الذي لا يتحمل المسؤولية المدنية” عن الجريمة في داخله.
إن هروب عائلة جاروشي من بيتها في الرملة قبل شهر وتركها لبيتها وعملها وانتقالها إلى الجليل في محاولة للهرب من الثأر، لم يغير موقف المحلل من اتهام الضحايا العرب بموتهم. وإن كل من يتجرأ على تقديم شكوى للشرطة على أعمال إجرامية في المجتمع العربي يجد نفسه مهدداً من قبل الجهات التي قدم الشكوى ضدها عندما عجزت الشرطة عن الدفاع عنه.
لو كلف هذا المحلل نفسه عناء قراءة تقرير المدراء العامين من أجل مكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، الصادر في تموز 2020، لاكتشف إلى أي درجة كان شعاره “تحمل المسؤولية المدنية” شعاراً أجوف. عملياً، حتى النقاش السائد في الأستوديوهات حول “متى سيجمعون السلاح غير المرخص في المجتمع العربي” ليس سوى شعار فارغ بنفس القدر. تقرير المدراء العامين يعدد تسعة أسباب للعنف الشديد الذي يضرب المجتمع العربي، والسلاح غير القانوني هو أحدها ولكنه ليس الأهم. الأسباب التسعة هي: عجز الشرطة التي لا تنجح في حل لغز الجرائم، وذلك يؤدي إلى عدم تعاون الشهود معها (الأمر الذي يقلل القدرة على حل لغز الجرائم وهكذا)؛ وتعاظم منظمات الجريمة العربية بعد أن ترك تحطيم منظمات الجريمة اليهودية على أيدي الشرطة، فراغاً؛ ثم السلاح غير المرخص؛ وغياب سيارات الشرطة ودمج الشباب العرب في المجتمع؛ والفقر والبطالة وضائقة السكن؛ واقتصاد سيولة نقدية يؤدي إلى سوق رمادية إجرامية بسبب غياب قدرة المجتمع العربي على الوصول إلى خدمات الائتمان والخدمات البنكية؛ واختراق الجريمة المنظمة للسلطات المحلية العربية على خلفية زيادة الميزانيات في أعقاب قرار الحكومة 922 (تطوير الاقتصاد في مجتمع أقليات)؛ وفجوات تعليم وتسرب؛ والتقاعس في أوساط الشباب العرب.
يمكننا أن نلاحظ بأن ثلاثة فقط من بين هذه الأسباب ترتبط بمنظمات الجريمة والإنفاذ الشرطي الفاشل للقانون. الأسباب الستة الأخرى هي صعوبات اقتصادية واجتماعية، تحديداً لما يخص الشباب العرب وأيضاً ضعف السلطات المحلية العربية.
بسبب ذلك، لا يمكن أن يكون وزير الأمن الداخلي العنوان الوحيد، وحتى ليس العنوان الرئيس، لاجتثاث الجريمة من المجتمع العربي. على المدى القصير، سيلقى أساس العبء على الشرطة؛ لأنه لا يمكن مواصلة التسليم بقتل عائلات كاملة في وضح النهار. وأثبتت الشرطة قبل عقد بأنها تعرف كيفية تحطيم منظمات الجريمة. وقد حطمت معظم منظمات الجريمة اليهودية، ويجدر بها أن تثبت قدرة مشابهة بخصوص منظمات الجريمة العربية. وإذا لم تفعل، فإن منظمات الجريمة اليهودية ستعود لترفع رأسها.
على المدى البعيد، هذه هي العوامل التي تغذي الجريمة في المجتمع العربي، ويجب أن تجد الرد. ولا يمكن أن نتوقع من الشرطة القيام بالعمل وحدها.
هي ضربة تلقوها قبل كورونا
نقطة الضعف الأصعب هي الوضع الصعب للشباب العرب في أعمار 18 – 24. الشباب هم بؤرة الجريمة في المجتمع العربي: 32 في المئة من المدانين العرب هم في أعمار 20 – 24، ضعف نسبة المجرمين الشباب اليهود (16 في المئة). وفي أوساط القاصرين، 44 في المئة من المدانين هم من العرب، رغم أن نسبتهم أقل من 30 في المئة من نسبة القاصرين. عدد كبير من الشباب العرب المجرمين متقاعسون – لا يتعلمون ولا يعملون ولا يتدربون على أي شيء. نسبة المتقاعسين في أوساط الشباب المجرمين 22 – 30 في المئة، ويشكلون 57 في المئة من المدانين العرب في أعمار 18 – 24، وهذا لا يشكل مفاجأة حقيقية على خلفية الشعور بعدم وجود أفق لهؤلاء الشباب.
خلافاً للشاب اليهودي الذي ينهي الثانوية في جيل 18 سنة، حيث الأفق أمامه واضح – الجيش أو المدرسة الدينية – فإن الشاب العربي في جيل 18 لا ينتظرهم مسار واضح. أما الفرص التي تكون أمامهم فتبعث على اليأس بسبب قلتها. عدد كبير من بينهم تسربوا من جهاز التعليم العربي بصورة علنية أو خفية. وحتى إذا أنهوا الصف 12 فيبدو أن مؤهلاتهم قليلة، وكثيرون منهم لا يتقنون اللغة العبرية. مع هذه المؤهلات، ليست أمامهم فرصة للقبول في المؤسسات الأكاديمية، ولا تقوم الدولة بتقديم تدريبات مهنية مناسبة، أما سوق العمل فيدير لهم الظهر بسبب مستوى لغتهم العبرية وغياب المهارات.
إن الشرط الأساسي لتحسين وضع المجتمع العربي يمر بانقلاب في جهاز التعليم العربي: تعزيز الحكم المحلي العربي، بحيث لا يكون معرضاً للفساد ويمكنه أن يفرض سلطته على المدن العربية؛ وتقديم تدريبات مهنية للشباب العرب؛ ربما أيضاً سنة اندماج، كبديل لسنة الخدمة في أوساط اليهود، تسمح لهم باستكمال الفجوات في اللغة العبرية؛ ثم الإعداد لامتحان البسيخومتري وحل ضائقة السكن الصعبة في القرى العربية.
كل هذه عناصر معقدة أكثر من جمع السلاح غير المرخص. ولكن بدونها ستواصل الفوضى اجتياح المجتمع العربي، وستواصل التدحرج منها إلى المجتمع اليهودي.
بقلم: ميراف ارلوزوروف
هآرتس 28/6/2021