النتيجة الأهم لـ “حارس الأسوار” هي ترميم الردع، ليس حيال حماس و”حزب الله” فحسب، بل حيال سيدهم الإيراني. فقد قال رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان قولتهم، ولكن هناك تفاصيل لم تعرف بعد، وربما لن تعرف. عمل الجيش الإسرائيلي بنجاعة وبقوة وبإبداعية، ليس لمنظمات الإرهاب فقط، بل ستكون لإيران استنتاجات من ذلك. واضح أن كانت هناك مواضع خلل، مثلما في كل حرب، ولكنها لم تمس بالنتائج.
ولكن مهما كانت النتائج الفورية مهمة، ينبغي متابعة الآثار الاستراتيجية والسياسية لفترة زمنية أطول. وفي هذا السياق، ينبغي أن يكون واضحاً لحماس والجهاد الإسلامي بل ولأنفسنا وأصدقائنا الأمريكيين أيضاً، بأن كل مناوشة لإسرائيل اليوم، بما في ذلك البالونات الحارقة وقذائف الهاون وما شابه، سيرد عليها رداً كثيفاً، كما أن خيار احتلال غزة لا يشطب عن جدول الأعمال. وتجدر الإشارة إلى أداء قيادة الجبهة الداخلية، التي غرس ممثلوها في الجمهور إحساساً بالمصداقية والاستقرار. وعند الحديث عن الجبهة الداخلية، يمكن تمجيد الحصانة النفسية والنضج لعموم مواطني إسرائيل، وعلى رأسهم سكان الجنوب الذين دحضوا الأحاديث الدائمة عن الانقسام المزعوم في المجتمع الإسرائيلي. كانت جهود الإعلام ناجحة أقل؛ ومع أن وزارة الخارجية بقيادة غابي أشكنازي عملت بنجاعة ونجاح، ولكن برز واضحاً انعدام وجود مركز لتخطيط الرسائل ونقلها. فمثلاً “صدم” العالم من عدد الضحايا في غزة، ولكنه لم يسمع بما يكفي أن نحو 80 في المئة من القتلى كانوا رجال حماس والجهاد الإسلامي.
نجحت حماس أيضاً في غرس الوعي الزائف، وكأنها عملت لمواجهة الاستفزازات الإسرائيلية المزعومة وليس كخطوة استراتيجية مخطط لها؛ لرفع مكانتها في أوساط عرب بلاد إسرائيل على جانبي الخط الأخضر. إضافة إلى ذلك، فإن المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين أخطأت في إصابة هدفها بل وعملت كالسهم المرتد، إذ إن يد إسرائيل كانت هي العليا بفضل البنية التحتية الدبلوماسية التي وجهها رئيس الوزراء وعملت عليها وزارة الخارجية؛ ولم نرَ في الماضي أعلام إسرائيل ترفع في الوزارات الحكومة وفي مراكز الأحزاب في دول مختلفة في أوروبا، كما أن موقف شركائنا في اتفاقات إبراهيم كان متوازناً.
ولكن ينبغي الوقوف عند الفرق بين موقف إدارتي أوباما وبايدن. فمع أن ضغوطاً مبكرة لوقف النار عملت في طالح إسرائيل، ولكن -بخلاف أوباما- منع بايدن قراراً سلبياً لإسرائيل طرح بمبادرة “أصدقائنا” الفرنسيين في مجلس الأمن. إضافة إلى ذلك، يواصل بايدن في جبهته الداخلية صد مبادرات مناهضة لإسرائيل من اليسار المتطرف في الحزب الديمقراطي، بما في ذلك في موضوع المساعدات الأمنية. ولكن لا توجد ضمانة دائمة، فليست ضغوط التقدميين في الكونغرس هي وحدها التي ستبقى مشكلة أمام بايدن، فالسياسة الأمريكية الأساسية في الموضوع الإسرائيلي – الفلسطيني، باستثناء موقف ترامب المؤقت، لم تتغير: انسحاب إسرائيلي من معظم المناطق، ومعارضة البناء خلف الخط الأخضر وحل الدولتين. حتى وقت أخير مضى، فضلت إدارة بايدن -بخلاف أوباما ورؤساء آخرين سبقوه- إبقاء هذه المسائل في الخلف، وذلك بسبب فشل أوباما ووزير خارجيته كيري، وخصوصاً لأنه قرر تنظيف معظم جهود الولايات المتحدة الاستراتيجية تجاه الصين، وبسبب الفهم العام في أنها لم تعد عاملاً حيوياً في الشرق الأوسط. ولكن قد يتوقف هذا الامتناع الآن، فما زالت إسرائيل ترى أن أمريكا تشكل عاملاً حيوياً وستبقى كذلك، خصوصاً في ضوء محاولة حماس السيطرة على الساحة الفلسطينية كلها، ما يعني وجوب شطب إقامة دولة فلسطينية حالياً عن جدول الأعمال، وسيتعين علينا حينئذ أن نبذل جهوداً مضاعفة كي لا تمس هذه الخلافات بالنسيج الأساس لعلاقاتنا الحيوية مع أمريكا. من هذه الناحية، كان مشجعاً أن نسمع جملة بايدن: “إلى أن تقول المنطقة بالقطع بأنها تعترف بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية مستقلة، وإلا لن يكون هناك سلام”. هذا هو ادعاء إسرائيل منذ الأزل.
بقلم: زلمان شوفال
معاريف 25/5/2021