صحيفة عبرية: هل نفذت إسرائيل عملية “البيجر” في توقيتها المناسب؟

حجم الخط
0

هجوم أجهزة الاتصال اللاسلكية في لبنان الذي خلف حوالي 4 آلاف مصاب و9 قتلى، عاد وقرب إسرائيل وحزب الله من شفا الحرب الشاملة. حزب الله يتهم إسرائيل بهذا الهجوم ويهدد بالانتقام. إذا كان حزب الله حاول السيطرة على صورة رد وتجنب تدهوراً كاملاً، فلا يقين بأن هذا هو ما سيحدث هذه المرة. العملية التي نسبت لإسرائيل، كشفت عن ضعف حزب الله وأهانت قيادته. وهذا ليس من الأمور التي من الممكن المرور عليها مر الكرام في الشرق الأوسط. 

سلسلة التفجيرات الكبيرة حدثت في الرابعة بعد الظهر تقريباً، بالأساس في الضاحية الجنوبية في بيروت. ولكن حسب عدة تقارير، حدثت تفجيرات أخرى في دمشق والبقاع وجنوب لبنان. كانت من بين الأهداف أعضاء حزب الله، منهم شخصيات رفيعة وجزء منها في قيادة الحزب، وبعضها في أماكن مدنية مختلفة. كانت التفجيرات بصورة متزامنة في أجهزة استقبال الرسائل وأجهزة الاتصال التي كانت بحوزة الأعضاء. كان من بين المصابين بعض عابري السبيل وعائلات أعضاء في حزب الله. تم الإبلاغ عن 9 قتلى وحوالي 400 شخص بإصابة بالغة، لكن التفاصيل ما زالت غامضة، ومن غير الواضح عدد قتلى الحزب نفسه. وقيل السفير الإيراني في لبنان أصيب في انفجار، ولم يبلغ ما إذا كان لديه جهاز اتصال لحزب الله أم كان بحوزة رجال الحزب. 

يبدو أن أحداً نجح في اختراق شبكة الاتصالات السرية لحزب الله، وأدخل مواد متفجرة في أجهزة الاتصال لتشغيلها عن بعد في الوقت المناسب. وتسمى هذه العمليات في منظومة السايبر، وفي إطار جهود التخريب، عملية “الزر الأحمر”. القصد أن العملية تكون جاهزة منذ فترة طويلة، ويمكن تشغيلها عند الحاجة، لمفاجأة العدو. يبدو أن من أعد للعملية وتنفيذها قام بعمل مهني كبير. تبين أن منظومات حزب الله العملياتية مخترقة وتضررت بدرجة كبيرة، بصورة قد تثير عدم الثقة في صفوف الحزب وتآكلاً في منظومة قيادته وسيطرته في الفترة القريبة القادمة. ربما يكرس حزب الله وقتاً كبيراً الآن لجهود الدفاع، والعثور على ثغرات حماية أخرى وتشخيص المسؤولين. يمكن التقدير بأن يجري حزب الله تحقيقاً في سلسلة التزود بهذه الأجهزة. الهجوم الذي ينسبه حزب الله لإسرائيل سبقته تطورات صاخبة في المنظومة الأمنية والسياسية في إسرائيل. في الأسبوع الماضي، بدأت حاشية رئيس الحكومة نتنياهو، تنشر تقارير بأنه متوجه نحو عملية هجومية في لبنان إلى درجة الحرب الشاملة، هذا رغم امتناعه طوال 11 شهراً عن ذلك وصده لمحاولات وزراء وضباط تحريك عمليات بهذا الاتجاه. في وقت لاحق، تصاعد النزاع مع وزير الدفاع غالنت، وسُرب بأن نتنياهو قريب من الاتفاق مع عضو الكنيست جدعون ساعر، الذي بحسبه سينضم أربعة أعضاء كنيست من قائمة اليمين الرسمي برئاسته إلى الائتلاف، وإحلال ساعر محل غالنت. 

تم تجميد المفاوضات السياسية أمس قبل بضع ساعات على الهجوم. ونشر المحللون أن نتنياهو وغالانت انتقلا إلى صفقة حول “موضوع أمني مهم”. يبدو أن قضية عزل غالنت واستبداله بساعر دخلت إلى التجميد المؤقت، وربما الطويل، إزاء التصعيد المتوقع. ربما حقق نتنياهو المكاسب السياسية التي يطلبها من هذه العملية حتى بدون تنفيذها. تم عرض ساعر كمن هو مستعد لبيع ما تبقى من روحه مقابل المنصب، وتبين أن ليس لغالنت قوة سياسية مستقلة، ولن يخرج الجمهور هذه المرة بجموعه للاحتجاج على مناورة قذرة تستهدف عزله. يبدو أنه يمكن إبقاؤهما الآن في حالة ضعف في مكانهما. في الاتفاق بينه وبين ساعر، كما تم التسريب، تقرر أن قرار اختيار رئيس الأركان القادم سيتخذ بشكل مشترك مع رئيس الحكومة (هذا هو الوضع القانوني الفعلي، ولكن مع الأخذ في الحسبان العلاقة بين نتنياهو وغالانت فإن الأمور كانت محل التساؤل). سياسياً، إذا تم تنفيذ عملية الاستبدال بين غالنت وساعر فسيتبين أنها خطوة حاسمة في صالح نتنياهو، الذي قد يقود ائتلافاً واسعاً وأكثر استقراراً. 

لكن كل هذه الصفقة الحزبية أقل إثارة للاهتمام، في ضوء تزايد أخطار الحرب. إن تقارب الأحداث بين مؤامرة عزل غالنت والهجوم في لبنان يضع الكثير من الضباب فوق اعتبارات رئيس الحكومة و الكابنيت. وعلى فرض أن إسرائيل تقف وراء هذا العمل، هل تم تنفيذ العملية التي أُعد لها منذ فترة طويلة، في الوقت الصحيح؟ هل تريد إسرائيل ردع حزب الله عن الاستمرار في إطلاق النار نحو الشمال وتفرض عليه اتفاقاً يشمل سحب قواته عن الحدود اللبنانية، أم أن الهدف جر الحزب إلى حرب؟ وما هي طبيعة العلاقة بين المستوى السياسي ورؤساء أجهزة الأمن، وفيما بينهم هم أنفسهم؟ 

بعد الفترة المثيرة للإحباط، سنة تقريباً، التي لم تحقق فيها إسرائيل أي حسم في أي جبهة، يزداد الضغط على رؤساء جهاز الأمن لعرض نتائج، إضافة إلى الإغراء بإيجاد حلول عنيفة تأثيرها يبدو مؤكداً كما يبدو. هذا ما حدث أيضاً في قضية تصفية الجنرال الإيراني حسن مهداوي بدمشق في نيسان الماضي، وفي عملية اغتيال إسماعيل هنية وفؤاد شكر في تموز الماضي، وفي عملية قصف ميناء الحديدة في اليمن. جميع هذه العملية حصلت على تعاطف نسبي من الجمهور، وتفاخر نتنياهو بمعظمها، لكنها حتى الآن لم تؤد إلى أي تغير واضح في تطورات الحرب. 

في العام 2021 قصف سلاح الجو الإسرائيلي المترو (الأنفاق)، وهي منظومة قيادة حماس التحت أرضية في قطاع غزة قبل انتهاء عملية “حارس الأسوار”. تم التخطيط للخطة الأصلية بأن تكون عملية افتتاح للحرب وشملت عملية تمويه لكتائب في القطاع، استهدفت جعل مئات المخربين يهربون إلى مخبأ في الأنفاق ثم قتلهم بقصف شديد. ولكن العملية التي نفذت كانت ضعيفة ومحدودة. فحماس لم ينطل عليها التمويه وأبقت الأنفاق فارغة. عدد مقاتليها الذين قتلوا في الهجوم يعدون على الأصابع. 

الجيش الإسرائيلي والمستوى السياسي (الذي كان في حينه أيضاً برئاسة نتنياهو) تفاخروا بالعملية، وعرضوها كتعبير عن عظم القدرة الاستخبارية والتكنولوجية. بعد ذلك، تبين أن إسرائيل أحرقت ورقة عملية مهمة عندما كشفت قدرة مفاجئة لم تؤثر على اعتبارات العدو. الظروف في هذه المرة مختلفة قليلاً؛ لأن الحرب مستمرة، في الحقيقة بقوة محدودة. وحتى الآن، يمكن التساؤل: إضافة إلى جباية الثمن من حزب الله، هل ستدفع العملية التي نسبت لإسرائيل قدماً بأهداف الحرب، التي أضاف إليها الكابنيت إعادة سكان الشمال إلى بيوتهم؟ يثور انطباع بأن إسرائيل تنتظر رد حزب الله: حزب الله تلقى ضربة قاسية في بيروت، الثانية بعد اغتيال شكر، وإذا قرر الرد في عمق أراضي إسرائيل فنحن أمام تدهور إلى الحرب. 

في المرة السابقة، في نهاية آب، حل حزب الله المعضلة بالأكاذيب. فرداً على تصفية شكر وبعد انتظار طويل، أطلق حزب الله عدة مسيرات هجومية نحو إسرائيل، ولكنها أسقطت فوق البحر في منطقة حيفا. وقال حزب الله إن المسيرات انفجرت فوق المواقع العسكرية في “غاليلوت”، وهكذا أغلق الموضوع. أما الآن ففتح حساب جديد دموي أكثر، يصعب إغلاقه ببضع أكاذيب واختلاقات أخرى. 

       لا حسم في الأفق 

قبل ساعتين على الهجوم، نشر “الشاباك” بياناً استثنائياً كشف فيه عن قضية قديمة فيها تطور حديث. في أيلول الماضي، انفجرت عبوة ناسفة في متنزه اليركون بتل أبيب، ولم تسبب إصابات. بعد ملاحقة، اعتقل فلسطينيون من الضفة الذين شغلوها. وأظهر التحقيق معهم أن حزب الله أرسلهم لتنفيذ العملية، لاغتيال شخص رفيع سابق في جهاز الأمن. الآن فشلت محاولة أخرى لخلية من نفس التنظيم كانت تنوي العمل بشكل مشابه ضد شخص رفيع آخر. إضافة إلى العملية في مجدو في السنة الماضية، تظل هذه محاولات لتنفيذ عمليات من قبل حزب الله بواسطة عبوات ناسفة قاتلة داخل إسرائيل. 

إسرائيل الرسمية لم تتطرق أمس إلى الهجوم في لبنان. وأمر مكتب رئيس الحكومة، الوزراء بعدم إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام، لكن أحد عباقرة الإعلام الجديد وهو من محيط رئيس الحكومة، تحاور عبر موقع “اكس” (تويتر سابقا) مع أحد منتقدي نتنياهو، مراسل “هآرتس” حاييم لفنسون، وألمح إلى مسؤولية إسرائيل عن الهجوم في لبنان. تم حذف التغريدة المتبجحة بعد فترة قصيرة (كما حدث عندما كان من المهم لنتنياهو التفاخر بزيارة له إلى السعودية قبل بضع سنوات). يبدو أن الخطر أخذ في هذه المرة بجدية؛ لأن المكتب سارع إلى إصدار بيان تنصل فيه من نشر المنشور، وقال إن هذا الشخص لا يعتبر من المستشارين المقربين من رئيس الحكومة، رغم أنه عملياً ما زال يعمل في الحاشية المقربة من نتنياهو. 

الهجوم الذي نسبه حزب الله لإسرائيل نفذ بصورة بعيدة عن الإعلام وفي ذروة حرب طويلة. حتى الآن، كان من الواضح أن إيران وحزب الله يريدان سفك المزيد من الدماء الإسرائيلية في الشمال لمساعدة حماس في حربها في غزة، لكن مع عدم الدخول إلى حرب مباشرة وشاملة. قوة ضربة أمس وما نشر حول إصابة السفير الإيراني ربما تؤثر هذه المرة على اعتباراتهم. وربما إلى درجة تغيير السياسة. الإنجاز العملياتي المنسوب لإسرائيل مدهش جداً، لكن في الوقت الذي وعد فيه نتنياهو الجمهور منذ فترة قصيرة بأننا على بعد خطوة من النصر المطلق على حماس، يبدو أننا الآن أكثر قرباً من حرب واسعة أيضاً مع حزب الله. الحسم في جميع الجبهات لا يلوح في الأفق حتى الآن.

عاموس هرئيل

هآرتس 18/9/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية