أوقفت الأحداث الأمنية تقدم المفاوضات الائتلافية طوال أسبوعين. وأثناء العملية العسكرية في غزة، أعلن نفتالي بينيت عن تعليق المحادثات لتشكيل حكومة التغيير. وبعد انتهاء العملية عادت الكرة إلى الساحة السياسية. يبدو أن تشكيل حكومة من غير نتنياهو يرتبط الآن بالأساس بمسألة هل يمكن لبينيت أن يفرض انضباطاً حزبياً على زملائه الخمسة في حزب “يمينا”، الذين بعضهم غير متحمسين من الانضمام ليئير لبيد.
ولكن هل هناك أمور قد تتشوش في المجال الأمني؟ إن ظهور رئيس الحكومة أول أمس يبقي مكاناً للقلق. وعلى خلفية تقلبات المفاوضات، لا يبدو نتنياهو في أفضل حالاته منذ فترة طويلة. ولكن خطابه الأخير عكس تدهوراً آخر: المزيد من الضغط والمزيد من الأكاذيب والادعاءات غير الموضوعية.
عندما عرض الأخطار المتوقعة على إسرائيل من دونه، كان قد ضم التهديد النووي الإيراني والعلاقات مع إدارة بايدن معاً. بعد ذلك، حذر من “كابنت” يضم نيتسان هوروفيتس وتمار زيندبرغ. الادعاء الأخير مهم بشكل خاص. عندما منح ميري ريغف مكانة مراقب في الكابنت مسبباً دهشة لا تتوقف لرؤساء جهاز الأمن. وقال افيغدور ليبرمان، الذي يستمتع بإضافة الزيت على النار، في جلسة قائمته أمس، إنه “ليس واثقاً من أن هذا الشخص (نتنياهو) سليماً نفسياً 100 في المئة، أو مؤهلاً لتولي رئاسة الحكومة”.
ما الضرر الذي يمكن حدوثه قبل محاولة لبيد وبينيت تشكيل الحكومة؟ تظهر في اليسار نظريات بارانويا بدرجة معينة حول استفزازات إيران أو لبنان أو قطاع غزة. يبدو هذا غير محتمل. يبدو أن رؤساء الأذرع الأمنية على ثقة بما فيه الكفاية بموقفهم وسلامة رأيهم من أجل إحباط خطوات غير مسؤولة إذا حاول شخص ما القيام بها. إن الحساسية الحالية تعزز الحاجة إلى حراس عتبة مستقلين وأقوياء لتولي هذه المناصب.
حاول نتنياهو مناورة كهذه ذات مرة، في أيلول 2019، عندما أراد مهاجمة كبار قادة الجهاد الإسلامي في غزة. كان هذا رداً على إطلاق الصواريخ على أسدود أثناء عقده لتجمع سياسي قبل بضعة أيام من جولة الانتخابات الثانية. في ذلك الحدث، كان المطلوب تعاوناً من وراء الكواليس بين هيئة الأركان العامة والمستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، لصد الخطة وهي في مهدها (تم إخراجها إلى حيز التنفيذ بعد شهرين، بدون أي سياق سياسي هذه المرة).
بقيت القدس. جولة العنف الأخيرة مع الفلسطينيين، التي نهايتها العملية في غزة ومنتصفها مواجهات شديدة بين اليهود والعرب داخل الخط الأخضر، بدأت في العاصمة. وخطوات غير محسوبة من قبل الشرطة في منطقة باب العامود والحرم أشعلت مقاومة فلسطينية وأدت إلى قرار قادة حماس الانضمام إلى أعمال الشغب بإطلاق الصواريخ من غزة على منطقة القدس. وكبار ضباط جهاز الأمن الذين سئلوا عن ذلك استبعدوا إمكانية أن يكون نتنياهو قد توقع مسبقاً سلسلة التطورات من القدس وحتى غزة (قرار حماس إطلاق الصواريخ فاجأ الاستخبارات العسكرية أيضاً).
حتى الآن، أطلق نتنياهو العنان للشرطة في القدس ببداية الأحداث. هذه مناورة يمكن أن تتكرر في القناة بين نتنياهو ورجله المخلص، وزير الأمن الداخلي، والمفتش العام للشرطة وقائد لواء القدس. يتعلق السؤال الرئيسي هنا بدرجة استقلالية المفتش العام للشرطة، كوبي شبتاي، الذي تصادم مؤخراً مع نتنياهو ومع الوزير أمير أوحانا في محاولة متأخرة كي يعيد للشرطة درجة من حرية العمل.
هناك سيناريوهات يجب الانتباه إليها في الفترة القريبة القادمة: يتعلق الأول بحماية رؤساء الأحزاب اليمينية الذين يريدون الانضمام لحكومة التغيير. ويتعلق الثاني بعمليات إرهابية محتملة لليهود ضد العرب على خلفية الوضع المتوتر في المدن المختلطة. الحلف الذي يلوح في الأفق مع لبيد والذي سينتهي بإخلاء عائلة نتنياهو من المنزل في شارع بلفور، أخرج النواة الصلبة لمؤيدي رئيس الحكومة نهائياً من التوازن. التصريحات المتطرفة عبر الشبكات الاجتماعية تترجم إلى مظاهرات هستيرية وصلفة أمام منازل السياسيين. والأشخاص الذين شاهدوا لقاءات عن قرب مع البيبيين مؤخراً يتحدثون عن جنون في العيون ورائحة واضحة للعنف في الهواء.
لا يدور الحديث هنا عن آلاف المؤيدين العنيفين، فنتنياهو لم ينجح في جلب جمهور واسع كي يهتف خارج الشبكات الاجتماعية، والنواة الصلبة التي تقف أمام منازل بينيت وجدعون ساعر واييلت شكيد وغيرهم، تضم وبصعوبة بضع مئات الأشخاص. ولكن الخط الذي يصعب على التصريحات والاستخدام المتواتر للجذر “خان”، تخفي الخوف من أن تؤدي هذه الأمور في نهاية المطاف إلى أعمال عنف حقيقية. الخوف الأساسي، وهذا ما يظهر، ليس من محاولة هجوم مخطط له، بل من احتمالية مظاهرة تشتد لتصبح أعمال عنف. زادت الشرطة أمس مستوى الحماية المطلوبة لبينيت وشكيد إلى درجة أقل من الدرجة القصوى بدرجة واحدة.
في المشاورات مع ضابط الكنيست، تم تعزيز الحماية بصورة بارزة لبينيت، وتم وضع حماية لعضوة الكنيست شكيد للمرة الأولى. الشاباك في هذه الأثناء لا يتدخل بشكل مباشر في الحماية. في اللحظة التي سيصبح فيها بينيت مرشحاً لرئاسة الحكومة، قد ينتقل على الفور إلى حماية كاملة من قبل وحدة حماية الشخصيات المهمة في الشاباك. رغم أن حماية حراس الكنيست تعتبر جدية، نأمل بأن يدرك الأشخاص المختصون ما يحدث. فحادثة عنيفة واحدة قد تغير كل الصورة السياسية.
ينطبق هذا أيضاً على السيناريو الثاني. فبالنسبة لحفنة من معجبي نتنياهو، تعدّ الجهود المبذولة لإبعاده عن الحكم كفراً وتهديداً وجودياً على أمن الدولة. وهذا يذكر، مع الاختلاف، بالأجواء التي سادت في أوساط اليمين المتطرف عشية الانفصال عن “غوش قطيف” وشمال السامرة صيف 2005. كان هناك من اعتقدوا في حينه، أن عملية ضد العرب قد توقف هذه الخطوات، وهكذا تم تسجيل عمليتين قاسيتين في المنطقة الصناعية في مستوطنة “شيلو” وفي حافلة في شفا عمرو، قتل فيهما ثمانية أشخاص. في الأسبوع القادم عندما يسيطر العنف الشديد الذي وقع مؤخراً بين العرب واليهود، ثم الأزمة السياسية الاستثنائية، يبدو أنه يجب الأخذ في الحسبان أيضاً احتمالية كهذه، احتمالية أن يعتقد شخص ما أنه بأفعاله يستطيع تغيير سير الأحداث.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 1/6/2021