في خطاب أمام قادة الحرس بطهران في أيلول 2013 أعلن زعيم إيران علي خامنئي بأنه لا يعارض الدبلوماسية ويؤيد النهج الذي وصفه “المرونة البطولية”. وأشار إلى أن هذا تكتيك جيد وأحياناً ضروري ما دام مقيداً بشرط أساسي واحد. ولإيضاح ما هو ذاك الشرط، استخدم الزعيم تشبيه المصارع الذي يبدي أحياناً مرونة لأسباب فنية، لكنه لا ينسى من هو خصمه وما هدفه الأساس. موقف خامنئي في صالح إبداء المرونة والدبلوماسية بشر باستعداده لتسوية استراتيجية مع الغرب، وهيأ التربة للمفاوضات التي أدت في صيف 2015 إلى الاتفاق النووي التاريخي بين إيران والقوى العظمى الغربية.
بعد 11 سنة من ذلك، يبدو أن القيادة الإيرانية تستعد للعودة إلى المفاوضات في مسألة النووي، ربما بهدف المضي باتفاق يتيح تخفيفاً للعقوبات وتحسيناً للوضع الاقتصادي. بعد ست سنوات من انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي وبعد خمس سنوات من بدء إيران الانسحاب من تعهداتها في الاتفاق، أعلن خامنئي هذا الأسبوع في لقاء مع أعضاء حكومة بزشكيان الجديدة، بأنه يحظر على إيران تعليق أي آمال على العدو أو الثقة فيه، ولا مانع من إجراء التفاعل معه في أوضاع معينة. قبل أسبوعين من ذلك، أعلن خامنئي بأن انسحاباً ليس تكتيكياً في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية، يبعث غضب الله – بمعنى أن الانسحاب التكتيكي ممكن في ظروف معينة.
تصريحات زعيم إيران تأتي على خلفية إقامة حكم جديد في طهران. فتعيين عباس عراقجي من قادة طاقم المفاوضات النووية في حكم الرئيس السابق حسن روحاني في منصب وزير الخارجية بإقرار من الزعيم، هو تعيين يشهد على نية القيادة الإيرانية محاولة السعي لتوافقات جديدة مع الأسرة الدولية في موضع النووي. ومع ذلك، نشدد هنا على أن قدرة الرئيس ووزير الخارجية على المضي بحوار مع الولايات المتحدة منوطة أساساً بالاستعداد من جانب زعيم إيران لتلطيف حدة مواقفه وإزالة اعتراضه المبدئي على اتفاق جديد، وكذا بنتائج الانتخابات الرئاسة الأمريكية.
لم يغير خامنئي قط فكره الذي يعتقد بأن القدرة الحافة النووية ستوفر لإيران عسكرياً قدرة ردع ناجعة ضد أعدائها وتشكل بالتالي بوليصة تأمين ضرورية لاستمرار بقاء النظام. فضلاً عن ذلك، فإن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي يعد في نظره دليلاً آخر على فكره الأساس، بأنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة وعلى الاتفاقات الموقعة معها، وأن البرنامج النووي ليس سوى ذريعة لدى الغرب للضغط على إيران وإضعافها لأجل تهيئة التربة لتحقيق الهدف الاستراتيجي المركزي: تغيير النظام الإسلامي. وبالتالي، لا يمكن الافتراض بأنه سيتراجع عن موقفه المبدئي بأنه لا يجب الاستسلام لإملاءات الغرب لرفع العقوبات، وأن حل الازمة الاقتصادية يكمن في “اقتصاد المقاومة” الذي أساسه اعتماد ذاتي متزايد وتخفيض للتعلق الاقتصادي بالغرب.
فضلاً عن ذلك، فإن الظروف اليوم مختلفة جوهرياً عن الظروف التي كانت قائمة قبل نحو عقد. فقد أصبحت إيران دولة حافة نووية ويمكنها البدء بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى عسكري في غضون نحو أسبوع عند اتخاذ القرار السياسي. في الأشهر الأخيرة، علم حتى بتقدم مقلق بمساعي إيران للتقدم في بحث وتطوير السلاح النووي. في هذا الواقع، مشكوك أن يكون ممكناً جسر الفوارق الكبرى بين إيران والغرب، بخاصة في ضوء الشراكة بين إيران وروسيا والصين، التي أي إمكانية لبلورة توافق دولي حول إيران. وزير الخارجية عراقجي نفسه، أعلن مؤخراً بأن العودة إلى الاتفاق النووي السابق باتت أمراً غير ممكن، والمطلوب اتفاق جديد.
على الرغم من ذلك، فإن انتخاب بزشكيان رئيساً، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في إيران، ودخول إدارة جديدة للولايات المتحدة، كلها تخلق فرصة لاستئناف محادثات النووي بإسناد الزعيم. من السابق لأوانه التقدير ما إذا كانت هذه المحادثات ستؤدي إلى تسوية بين إيران والغرب أو ستشكل وسيلة لدى النظام الإيراني لكسب مزيد من الوقت حتى أكتوبر 2025 الموعد الذي ينفد فيه بند استئناف العقوبات (Snapback). هذا البند يسمح لدول أوروبا المتبقية في الاتفاق أن تبادر لمسيرة في مجلس الأمن في الأمم المتحدة لاستئناف العقوبات ضد إيران دون إمكانية الفيتو.
إن استعداد إيران لإمكانية استئناف محادثات النووي مع الغرب، يلزم إسرائيل بتفكير آخر بشأن الاستراتيجية المرغوب فيها حول هذا الموضوع. لقد شجعت إسرائيل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وعملت من خلف الكواليس لاحقاً على إفشال الجهود من جانب إدارة بايدن للوصول إلى اتفاق نووي جديد مع إيران. إن فشل السياسة تجاه المشروع النووي الإيراني أتاح لإيران الوصول إلى المكانة الحالية كدولة حافة. الطريق المركزي الذي سيسمح بالتدحرج إلى الوراء – مهما كان محدوداً – بقدرات النووي الإيرانية، بخاصة في مجال الصناعة حالياً هو خلق واقع نظامي بديل بقيادة أمريكية. على إسرائيل أن تبلور موقفاً واضحاً – لكن واقعياً – في ضوء التطورات الأخيرة، وبالتوازي عليها أن تبلور استراتيجية لمشاركة الولايات المتحدة في أقرب وقت ممكن، تستهدف ردع إيران عن خطوات معناها التقدم نحو إنتاج رأس نووي متفجر.
راز تسيمت
يديعوت أحرونوت 29/8/2024