تناول العنوان الرئيس في موقع “الأهرام” المصري، الحدث الأكثر أهمية الذي وقع في مصر: افتتاح المرحلة الثالثة من برنامج الجامعة اليابانية – المصرية في الإسكندرية وخطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي هاجم فيه قوى الشر “التي تريد الإضرار بمصر”. ولم يثمر شيئاً ذلك البحث عن مقالات رأي أو تحليلات حول اتفاقات السلام التي وقعت أول أمس بين إسرائيل والإمارات والبحرين. صحيح أنه حدث تاريخي حظي بمباركة السيسي، لكن الصحف تناولته وكأن أمراً لم يحدث.
تقارير جافة تحدثت عن مضمون خطابات الزعماء الذين تحدثوا على شرفة البيت الأبيض في عدد من الصحف ذكرت أن مصر كانت هي الأولى التي وقعت على اتفاق سلام مع إسرائيل. وفي بعضها تحدثوا عن ردود إسرائيل من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية. وتفسير غياب التغطية الصحفية هذه قدمها موقع “الأخبار” اللبناني المقرب من حزب الله، الذي علم أن مراسلين من مصر تلقوا أموالاً من الإمارات لكمّ أفواههم، ورئيس نقابة الصحافيين في مصر هو عضو في نادي الصحافة في دبي.
استغراب من صمت المثقفين في مصر، رغم أن نقابة الصحافيين في مصر كانت الأولى التي تبنت لائحة تحظر أي نوع من التطبيع مع إسرائيل.
عبرت الأخبار عن استغراب من صمت المثقفين في مصر، رغم أن نقابة الصحافيين في مصر كانت الأولى التي تبنت لائحة تحظر أي نوع من التطبيع مع إسرائيل. في الوقت الذي يواصل فيه كتاب أعمدة عرب، باستثناء من يعملون في وسائل إعلام في بعض دول الخليج، يواصلون التمسك بالموقف التقليدي الذين يرفعون راية النضال ضد إسرائيل، حتى لو كانت حكوماتهم تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع الحكومة في إسرائيل، فالسؤال الأهم هو: كيف سيؤثر التطبيع مع دول الخليج على موقف وقوة دول عربية أخرى؟
في أعقاب انضمام إسرائيل الرسمي كجزء لا يتجزأ من المحور العربي المؤيد لأمريكا والمناهض لإيران، الذي يتوقع أن يتوسع أكثر إذا انضمت إليه الدول العربية أخرى، سواء في الخليج أو في شمال إفريقيا، فإن “استيعاب” إسرائيل في المحاور الاستراتيجية الإقليمية يثير الخلافات. إلى جانب التقاء المصالح بين مصر والسعودية والبحرين والإمارات، وبين إسرائيل في الصراع ضد إيران، فجميعها شريكة بدرجة كبيرة أمام رؤية أن تركيا عنصراً معادياً ومهدداً. ولكن في الوقت الذي تدير فيه مصر وشريكاتها في الخليج حرباً حقيقية ضد تركيا في الساحة الليبية، ففي المقابل تقيم إسرائيل مع تركيا علاقات تجارية وسياحية وتحافظ على مستوى منخفض من العلاقات السياسية.
هناك خلاف آخر يتعلق بالتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، فهناك تجري مصر وإسرائيل واليونان وقبرص صراعاً وشبكة تهديد متبادلة ضد التنقيب التركي عن النفط في مناطق تعتبرها اليونان وقبرص جزءاً من أراضيها السيادية. لقد تم إشراك الإمارات في هذا الصراع أيضاً، فأرسلت طائراتها من جزيرة كريت للمشاركة في المناورات الجوية، لإارسال رسالة إلى تركيا. “محور الغاز والنفط” آخذ في السخونة، ولا توجد هناك ضمانات بأن لا يتطور إلى مواجهة عنيفة، لا سيما بين اليونان وقبرص من جهة، وتركيا من جهة أخرى. والسؤال هو: أين ستقف إسرائيل في هذا الوضع؟ طالما أنها وقعت على اتفاق يمنعها من العمل ضد مصالح الدول التي وقعت على الاتفاقات معها، بل ويمنعها أيضاً من التوقيع على اتفاقات يتوقع أن تضر بمصالح أحد حلفائها.
ثمة مفترق طرق متفجر آخر يتمثل في علاقة إسرائيل مع قطر، التي توفر حبوب التهدئة المالية لغزة، وهي تشارك في استقرار التهدئة في كل مرة يتم فيها خرقها.
وثمة مفترق طرق متفجر آخر يتمثل في علاقة إسرائيل مع قطر، التي توفر حبوب التهدئة المالية لغزة، وهي تشارك في استقرار التهدئة في كل مرة يتم فيها خرقها. في هذه الأثناء ليست هناك دولة خليجية مستعدة لأخذ مكان قطر في وظيفة الصراف الآلي لحماس، وستستمر مكانتها في أن تبقى كبيرة التأثير في المواجهات العارضة على طول الجبهة في الجنوب. ولكن قطر هي العدو اللدود للإمارات والبحرين ومصر والسعودية، سواء بسبب علاقتها الوثيقة مع إيران أو بسبب نشاط قناة “الجزيرة” ضد الأنظمة العربية، لا سيما مصر ودول الخليج. أو بسبب دعمها لحركة الإخوان المسلمين وتحالفها مع تركيا، التي لها في قطر قاعدة عسكرية. لقطر علاقات جيدة أيضاً مع الإدارة الأمريكية التي لها فيها القاعدة الأكبر في الخليج.
السؤال هو: كيف سترد إسرائيل إذا قررت قطر تطبيع علاقاتها معها؟ هل تستطيع رفض يد قطر الممدودة لها، التي هي دعامتها في ميزان القوى أمام حماس، بسبب ضغط أصدقائها الجدد في الخليج، أم أنها ستحتضنها كدولة عربية أخرى تساهم في احتواء إسرائيل في الفضاء العربي؟ هل يعتبر التحالف مع قطر خرقاً للاتفاق مع الإمارات والبحرين بسبب الإضرار بمصالحها؟ يمكن التقدير بأن دول الخليج لن تمنع أي تطبيع بين إسرائيل وقطر، وستواصل إدارة ترامب استثمار جهودها في تصفية النزاع بين قطر والسعودية. ولكن هذا المثال قد يوضح شبكة الاعتبارات والمعضلات التي ستواجهها إسرائيل من خلال مكانتها الجديدة في الشرق الأوسط.
يمكن التخمين أيضاً كيف ستبدو الضغوط على إسرائيل من الآن فصاعداً إذا قررت العمل ضد إيران. صحيح أنه في أعقاب “تعهد” ترامب بالتوقيع على صفقة مع إيران بعد فترة قصيرة من إعادة انتخابه كرئيس، سيكون من الصعب التخمين بأن إسرائيل ستعمل عسكرياً ضد إيران إلى جانب الساحة السورية والعمليات الأخرى المنسوبة لها. لكن دائماً ما يطرح سؤال “ماذا إذا؟”. أوضحت السعودية في السابق في تصريحاتها ومن خلال سلوكها بأنها لا تنوي العمل عسكرياً ضد إيران، ووقعت الإمارات مع إيران على اتفاق تعاون لحماية الملاحة في الخليج وهي تحظى بالهدوء من المليشيات الشيعية في العراق ومن الحوثيين الذين ضربوا سفنها. وحرب إسرائيل ضد إيران ستضعها في خط النيران المباشر لطهران.
البنود العامة للاتفاقات ضبابية وتسمح بتفسيرات واسعة، لكن جميع الدول المشاركة ملتزمة بالتنسيق والتعاون مع الولايات المتحدة، أي أن العمليات العدائية لإسرائيل ستكون خاضعة من الآن فصاعداً لإيماء من الأمريكيين، بل لاعتبارات خاصة بالبحرين والإمارات ودول عربية أخرى وشبكة علاقات هذه الدول مع الولايات المتحدة. هذا ليس فيه ما يقلل من الأهمية الاستراتيجية لهذه الاتفاقات، لكن من الجدير معرفة القيود التي ستحيط بإسرائيل من الآن فصاعداً.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 17/9/2020