باريس-“القدس العربي”:
في تقرير بعددها الصادر الأربعاء، قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن ما يعرف بثورة حي الوراق في القاهرة تسببت في عرقلة مشاريع ضخمة لعصرنة المدينة تعمل السلطات المصرية عليها منذ عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. وحي الوراق، هو عبارة عن جزيرة صغيرة على ضفاف نهر النيل يقطنها 90 ألف شخص يعارضون تنفيذ خطة حكومية تقضي بطردهم من مساكنهم المتواضعة.
وعادت الصحيفة إلى بدايات هذا التمرد، موضحة أنه أن الأمر بدأ ذات صباح صيفي من عام 2017 عندما طوقت وحدات أمنية المنطقة بشكل مفاجئ وبدأت بإخلاء المساكن وهدمها على رؤوس السكان لتندلع مواجهات عنيفة مع رجال الأمن تسببت في سقوط قتيل بالرصاص الحي و59 جريحاً بينهم 31 من أفراد الأمن. و أوقف 9 أشخاص بينما لا يزال 47 آخرون ينتظرون المحاكمة بتهمة التحريض على العنف والفوضى، طبقاً لتقارير رسمية. وقد رفض رجال الأمن تقديم أي مبررات للسكان واكتفوا بالقول إن لديهم أوامر بإخلاء المنطقة.
وأوضحت “لوفيغارو” أن السلطات المصرية تفرض حالياً حصارا على الحي الصغير وتمنع وحدات عسكرية على شاطئ النيل الصحافيين من الاقتراب منه ويحظر على سكانه الحديث للإعلام تحت تهديد التوقيف.
وكانت هذه السلطات قد أقامت جسراً يربط حي الوراق بشاطئ النيل؛ ما جعل السكان يستبشرون فرحاً بوجود مخطط عمراني لتطوير منطقتهم؛ قبل أن يتفاجأوا بأن بناء الجسر يدخل ضمن مشروع ضخم أطلق في عهد مبارك سنة 2007 تحت مسمى “القاهرة 2050” وبعد تأجيله مرات أعيدت تسمية المشروع بـ“القاهرة 2030” و تبنته حكومة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي التي تنفذ مشاريع أخرى مثل مشروع العاصمة الجديدة – على بعد 45 كيلومتراً من القاهرة- وذلك بهدف إعادة توزيع السكان وتخفيف الضغط عن المدينة التي يصل تعداد سكانها 22 مليون نسمة وتشلها الزحمة الدائمة.
و يشير موقع مشروع “القاهرة 2030” إلى أن هدف المشروع هو تحسين جودة الحياة واستعادة دور مصر القيادي، إذ يبدو هذا المشروع طموحا حيث يشمل ناطحات سحاب ومساحات خضراء تصل حتى الأهرامات ومراكز تجارية ضخمة وإقامات فاخرة على شاطئ النيل. ويحلم القائمون عليه أن يكون بإمكانهم التباهي بإنجاز كل هذه المنشآت في غضون 12 سنة وتعزيزها بمدينة تكنولوجية في إطار ما يصفه الباحث السياسي جيم سكوت بـ“العصرنة السلطوية” وهي منطق خلق تنمية تقودها الدولة للوصول إلى فرض النظام الاجتماعي عبر التخطيط العمراني.
ويقول سكان حي الوراق – وفق “لوفيغارو دائماً – إنهم لا يعارضون تنمية البلاد؛ بل يعارضون الخطة الحكومية التي تقضي في النهاية ببيع أراضيهم وإنشاء استثمارات عليها لصالح الطبقات الاجتماعية الأكثر غنى. وفِي هذا الإطار يصف مراقبون وخبراء كثيرون بينهم ياسمين عمر الباحثة في معهد الشرق الأوسط للسياسات، ما يحدث بأنه ليس تنمية بل استثمارا لا يعطي أي اعتبار للسكان التاريخيين للقاهرة. وفي نفس الاتجاه يقول إبراهيم عز الدين رئيس منظمة الحقوق والحريات غير الحكومية المصرية إن الإشكالية الوحيدة للسلطات هي التخلص من سكان تلك المناطق.
وفي محاولة للتوصل لتسوية مع سكان حي الوراق اجتمع قائد سلطة الهندسة العسكرية المصرية كامل الوزير مع السكان بعد المواجهات العنيفة، وأنشأ السكان لجنة تمثلهم في المفاوضات مع الدولة التي عقدت إحدى جولاتها في ال24 من الشهر الجاري.
وفي انتظار التوصل لاتفاق، تقرر تجميد عمليات هدم المساكن لكن السلطات المصرية لا تنوي التراجع عن خطتها وتتحدث عن ضرورة محاربة العشوائيات الذين يقيمون على أراضي ملك للدولة بشكل غير قانوني وهو ما ينفيه سكان حي الوراق؛ مؤكدين أنه تمت تسوية وضعية حيهم ويمتلكون أوراق ملكية منذ 2000.
وقدمت السلطات المصرية تعويضات لبعض الأسر التي هدمت منازلها وهو إجراء يفرضه القانون؛ لكن المساكن الممنوحة لهم بعيدة من مناطقهم الأصلية وأماكن عملهم. وتسعى السلطات لنقلهم إلى مجمع الأ سمرات السكني الذي يبعد 17 كيلومترا من القاهرة في عمق الصحراء ويتوجب عليهم دفع مبلغ 250 يورو عند استلام السكن ودفع 15 يورو شهريا لمدة 20 سنة ليصبحوا ملاك المساكن.
وخلصت “لوفيغارو” إلى القول إن عدداً كبيراً من سكان حي الوراق يعيشون اليوم في بقايا مساكنهم المهدومة أو مع جيرانهم؛ وقد عبرت ليلى فرحاني مقررة الأمم المتحدة خلال زيارة لها للقاهرة في أكتوبر الماضي عن قلقها حيال عدم التزام الحكومة المصرية بمصير هؤلاء السكان حيث لم تضع أي برنامج إسكان ولم تنشئ أي مدينة سكنية لهم.