الروائي الأمريكي فيليب ميلتون روث
غادرنا فيليب ميلتون روث عملاق الأدب الأمريكي منتصف العام، تاركا ما اجتهد في كتابته عن الشخصية المكروهة التي نجهلها، علّمنا أنه ليس كل ممقوت سيئا، دافع بسرية غامضة ومفرطة عن يهوديته التي لم تكن جزءا من معتقداته، ولكنها جرح من جراح أبناء جلدته، فالأمريكي الذي كانه، كان أبعد عمّا رسمه العالم لليهودي الشرير.
حمل روث عبء انتمائه لأبوين يهوديين إلى أن غادرنا، كما أنه شيّد خلفيته الثقافية بقراءاته « الكافكاوية» التي أسست لفكره وكتاباته الأولى ـ كافكا كان يهوديا أيضا – قبل أن ينطلق في رحلة بحث عن الذات، وتحرير وعيه وروحه من ثقل إرث لا يعنيه تماما. سافر إلى براغ عدة مرات لملاقاة ميلان كونديرا، وإيفان كليما حتى منع من دخول تشيكوسلوفاكيا آنذاك سنة 1975، كان قرارا زعزع كيانه، لولا دخول الحب إلى حياته في السنة نفسها، من البوابة البريطانية، حين التقى الممثلة المسرحية باتريسيا كلير بلوم، فأصبحت حياته معلقة بين أمريكا وبريطانيا، مثل طائر لا يكف عن التنقل بين عشين. عاش مع باتريسيا قرابة العشرين سنة، قبل أن ينفصلا، اختبر تجربة الانشطار العاطفي بين بلدين وثقافتين، مع كثير من المسافات الفاصلة بينهما. مقولته الشهيرة التي اختصرت تجربته تلك، تقول: «الهاجس الوحيد الذي يطاردنا جميعا هو الحب. يعتقد الناس أن الوقوع في الحب يجعلهم كائنات مكتملة، تلاقي الأرواح الأفلاطوني، أعتقد أن الأمر عكس ذلك تماما، فنحن كائنات مكتملة، حتى نقع في الحب. الحب يحدث فينا صدوعا، تعيش حياتك كائنا مكتملا، ثم يأتي الحب فتنفتح فيك الصدوع».
لقد كان الحب أقوى من أي شغف آخر، سحبه إلى عالم مختلف عمّا كان يغويه سابقا، اندفع نحو بريطانيا وثقافتها بكل ما أوتي من مشاعر، وكأن عاصفة اقتلعته من تربته لتلقي به إلى ضفاف جديدة، وقد كانت تلك الحياة، حقبة جديدة، ليس فقط بالنسبة لوعيه، بل بالنسبة لأدبه أيضا.
ظلّ ذلك المحور متمركزا في قلب اهتماماته، يثمر مثل شجرة وارفة، حتى نفد وقودها، وفي الغالب، كانت الممثلة البريطانية الطليقة، سببا في ذلك الخواء الذي انتهت إليه العلاقة، بعد أن دخلت في علاقات ألهبت مشاعرها، هي التي تزوجت قبله مرتين، بدون حساب علاقاتها المتعددة. في تلك الفترة كتب أجمل أعماله، وظل عبق السيدة البريطانية يحمله إلى أقاصي أمكنة المخيلة، حتى إن لم يعترف بذلك، وحين خفّ ذلك العبق انطفأ الرّجل، عند إصداره «نيميسيس» تأكد أنها النهاية، فقرر أن يتوقف عن الكتابة في عمر الثمانين، بعد أن خلص إلى قاعدة صديقه سول بيلو الكاتب الأمريكي الكنــــدي على أن الكتابة بعد الثمانين مغامرة يائسة، وربما تنطبق على أغلب الكتاب، الذين يجب عليهم أن يتقاعدوا في هذا العمر، حتى لا يتذوقوا طعم الهزيمة، بعد بلوغهم نجاحات القمة.
نحن كائنات مكتملة، حتى نقع في الحب. الحب يحدث فينا صدوعا، تعيش حياتك كائنا مكتملا، ثم يأتي الحب فتنفتح فيك الصدوع.
ولأن الكتابة حب آخر في حياته، ولنقل إنها الحب الأول والأخير، فقد جمعته الصدف بكلوديا روث بييربونت التي لا علاقة لها به لا من قريب أو بعيد، رغم تشابه الألقاب، فكتبت سيرته، بالقدر الذي منحه حياة أخرى أنقذته من التلاشي أمام نفسه، إذ أدخلت كاتبة «النيويوركر»، نورا آخر في حياته، كان بمثابة الخاتمة الجيدة لمساره الأدبي.
نعود إلى الحب في حياته، إلى التّعلّق الجارف بقول كل المحرمات، بدءا بيهوديته، إلى الجنس بلا حب، إلى الجسد الخائن للرغبات بعد الشيخوخة، إلى بشاعة الموت. لقد وعد ناشره ألاّ يكتب عن اليهود، فقد اختنق حدّ الشعور بالغثيان من وضعه في ذلك القفص، لكنه أخلف وعده، قاوم شهوة البوح بهواجسه، فأخفق، كان جرحا شخصيا، يغرق حتى الذقن في نزفه، فلم يفلت منه أبدا، ولئن وصفنا ذلك بالحب الغريب لجذوره، قد نظلمه مرة أخرى، ولكنه قدر فُرِض عليه، كان أشبه ببصلة النّرجس، التي كلما ماتت بعد موسمها، تعود بالحلة نفسها في الموسم الجديد. لا اكتمال مع الحب، إنه طاقة تشطر الشخص شطرين، وقد تتمادى لتحويله إلى فتات، حين يكون ذلك الحب أقوى من صموده بدونه، قد نفهم الأمر أكثر، حين يندفع المرء في حب قضية توصله إلى موته.
يصف البعض هذا الاندفاع على أنّه مخالف لقوانين الحب.. فما هي قوانينه إذن؟ ما الذي يجعل المرء قلقا، أرقا، مخدّرا، مستسلما لمسار مرسوم بعناية كأنه السائر في نومه؟
تنطرح الأسئلة وتبقى عالقة في أفق اللامفهوم، ولكن ذاك المعنى المرتبط بالتصدّع وارد، وإن لم يكن كذلك، فإنّه الشعور بعدم الاكتمال، بالنقص، بالقطعة الضائعة من «البازل» فما الذي يجعلنا نشعر بعدم اكتمالنا إلا بالحب، وجعل روث يشعر بالعكس؟ ألم يقل هو نفسه في روايته «نيميسيس»: «لا تقاوم نفسك، ففي هذا العالم ما يكفي من الأهوال لتقاومها»، فأين انجرف مع نفسه؟ وأين قاومها؟
لعلّه في الغالب، كان مقتنعا بصوته المنبعث من أعماقه، لقد أراد أن يُحِبَّ ويُحَب، كتب الحب بصيغه المختلفة، ووصف بشاعة الرفض النابعة من العنصرية المقيتة، في مجتمع يفترض أنّه قطع شوطا كبيرا نحو إرساء قواعد الحرية والإخاء والمحبة. لقد عاش الخيبة، وقاوم الكراهية التي انبثقت من الاختلافات الإنسانية الطبيعية، ناشد الحب الذي آمن به، من منطلق تعبيره العميق عن «الكراهية التي حين تبدأ يصعب كبحها، لأنها بمجرد انبعاثها تتضاعف مئات المرّات». سار في خط الحب إلى منابعه، ولكن بشكل مخالف تماما للسائد، لقد كان رجل المتناقضات، سعى جليا لتجاوز حدوده الخاصّة، ليترك بصمته في الأدب الأمريكي، وقد قيل إنه بالغ في نقل اشمئزازه عبر شخصياته الواقعة دائما في معضلات كبيرة، لعلّ ذلك راجع لتأثره بهنري ميللر، لكن قد يكون أسلوبه الخاص لقول الأشياء، مخالفا لما تذهب إليه الأغلبية.
الحب هو أول خطوة نحو المعرفة، وهذا ما لا ندركه إلا إذا اكتملت تجربة الحب التي نعيشها بشكلها الفلسفي.
فرادة تجربة روث أنه نقلها بحذافيرها في نصوصه، ولأننا لم نقرأ تجربته كاملة، يصعب أن نستوعب قصّته مع التصدّع الناشئ مع الحب، سوى ما توصل إليه بعض دارسيه الذين تتبعوا نتاجاته حسب تتابع تجاربه الحياتية.
لقد عنى جيدا فشل الاكتمال الإنساني، بسبب هذا الشعور السامي، إنّ التصدق لا يعني فشل الحب في لم شمل هذه الأرواح المبعثرة، ولكنه الشعور الوحيد الذي يعيد الإنسان إلى مكانته الصحيحة، فهو غير مكتمل، لا قبل ولا بعد، ما دامت تلك الحاجة للآخر لا تكتمل حتى خلال أعنف قصص الحب التي شهدها التاريخ.
قد ننحو بعد هذه الأسئلة والأجوبة غير الشافية إلى أن الإنسان مجرّد جزء صغير من الكون الشاسع، وإن كانت الكراهية تدمره، فإن الحب لا يكمله، إلا إذا كان حبّا كونيا، ينسجم فيه مع كل مكونات الكوكب الحية. الاكتمال الذي كان يقصده روث ربما، هو اكتمال وهمي شعر به قبل الحب، فبعد الحب اكتشف نواقصه المخيفة، إذ يبدو جليا أن الحب هو أول خطوة نحو المعرفة، وهذا ما لا ندركه إلا إذا اكتملت تجربة الحب التي نعيشها بشكلها الفلسفي… فهل ترانا بحاجة لهذا النوع من الحب؟ روث في رسالته عن الحب، يكتفي بجعل المرء عارفا لنفسه، محبا لها ليكتمل، وليس بحاجة لمد ذراعيه للآخر ليجد السكينة اليومية التي سُلخ منها. هذا احتمال! ومن يخالف روث، بالتأكيد يمنحنا أجوبة مريحة، فالحب كون جميل يحضن العاشق إلى أن يحدث فيه شرخ ما.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين