صراع الديوك في موسم سينمائي تحكمه الدعاية وتفضحه الأكاذيب

كمال القاضي
حجم الخط
0

الحصيلة الفعلية للإنتاج السينمائي المصري في الموسم الشتوي الجديد هي خليط من أفلام حديثة أنتجت خلال العام 2021 وأفلام أخرى مُتبقية من الموسم الفائت تدخل السباق للمرة الثانية لأنها لم تأخذ فرصتها الكاملة في الموسم الماضي لعام 2020 وهذا الملمح يدلنا على واقع الأزمة المريرة التي تواجه الأفلام وصُناعها وتُحدث تراجعاً مُخيفاً في الإيرادات، ومن ثم الدخل القومي للصناعة الذهبية برُمتها والتي احتلت لسنوات طويلة الصدارة في الناتج الاقتصادي.
ولأن الحالة السينمائية المصرية ليست على ما يرام وواقع الأرقام يؤكد فداحة الخسارة، فإن الجانب الدعائي المُبالغ فيه يأتي دائماً كرد فعل للمُشكلة فنرى عدداً من كبار النجوم يحاولون خلق واقع جديد بإدعاء النجاح الفائق لأفلامهم التي لم يشاهدها أحد في دور السينما لسبب مُعلن وواضح وهو الاجتياح المرعب لوباء كورونا في مراحله المُتعددة وتشكلات الفيروس المُحيرة بحسب تصريحات وزارة الصحة، وآية الاجتراء على الحقيقة في تصريحات أبطال الأفلام أن معظم دور السينما مُغلقة طوال اليوم باستثناء حفلة أو حفلتين، سواء بتعليمات صريحة من الجهات المُختصة حفاظاً على الصحة العامة أو لعدم إقبال الجمهور، المهم أنه في الحالتين لا يوجد صدى قويا لحركة التفاعل السينمائي ما بين الأفلام المعروضة والجماهير التي اختفت طوابيرها تماماً فلم يعد لها أثر يُذكر.
ولو أننا تحرينا الدقة في رصد النسبة الجماهيرية التي حققت بعض الرواج لأفلام معينة سنجد أن الفائز في مقياس النجاح هو فيلم «200 جنية» وذلك لغرابة العنوان والحشد الكبير لمجموعة النجوم المُراهن عليهم تجارياً في شباك التذاكر كليلى علوي التي تمثل عودتها مكسباً شعبياً كبيراً كونها مُتغيبة عن الساحة السينمائية منذ فترة طويلة، غير أنها لم تظهر أيضاً في الدراما التلفزيونية خلال الموسمين الرمضانيين الماضيين فصارت محل اهتمام بالنسبة لجمهورها الذي لم تفقده تماماً برغم الغياب الطويل. الفيلم الثاني المُستبعد من دائرة الفشل بحسب زعم أصحابة هو فيلم «الإنس والنمس» لمحمد هنيدي، وهو نوعية كوميدية مُفضلة عن النوعيات التجارية الأخرى التي يحاول صُناعها استخدام أقصى حدود التفوق التقني لجذب المشاهد وتحسين الصورة ليصبح عنصر الإبهار مُتحققاً بما يضمن رواج السلعة وبيعها للشرائح المُستهدفة.
ومن بين الأرقام التي كُتبت على مواقع التواصل الاجتماعي واعتُبرت دليلاً على النجاح الساحق لفيلم «الإنس والنمس» وصعود مؤشر إيراداته هو رقم 13 مليون جنيه حققها الفيلم قبل انتهاء الأسبوع الأول للعرض، ثم صعود مؤشر الأرقام ووصوله إلى 16 مليون مع نهاية الأسبوع المُبارك للعرض نفسه، وهو كلام يجافي المنطق لأن الزيادة المُضافة أكبر من أن تتحقق في يومين أو ثلاثة، اللهم إذا كان محمد هنيدي قد قام بشراء نصف التذاكر كما كان يفعل بعض النجوم في مواسم الأعياد بالعهود السابقة ليظلوا مُتربعين على القمة، وهذا الافتراض غير جائز في هذه الظروف لصعوبة تحقيقه بالطبع في ظل الأزمات الكثيرة المُحيطة بالواقع السينمائي، فغاية ما يمكن قوله في مسألة التباين الرقمي بين فيلم وآخر هو طبيعة الموضوع المطروح والرغبة العامة في الخروج من أجواء الكآبة والرتابة بالتجاوب مع النكتة والإفيه عبر فيلم كوميدي لنجم خفيف الظل ومحبوب.
هناك نوعان آخران من السينما تصدرا المشهد وحققا بشكل ما نجاحاً معقولاً تمثلا في فيلمي «موسى» للمؤلف والمخرج بيتر ميمي و«مش أنا» للمخرجة سارة وفيق، الأول ينتمي إلى فصيلة أفلام الخيال العلمي التي تم اختبارها في السوق المصرية بفيلم «الفيل الأزرق» بجزئيه الأول والثاني وثبت تميزهما على الصعيدين الفني والمادي وفق إحصائيات المشاهدة والإيرادات، فقد لوحظ في الآونة الأخيرة شغف الجمهور بالظواهر الميتافيزيقية وأجواء الإثارة، وهذا ما قدمه بيتر ميمي في خلطته السحرية فارتفع بقيمة فيلمه إلى المستوى المطلوب فتحقق له النجاح المُستهدف فصار ضمن الأفلام المهمة في هذا الموسم.
أما الفيلم الثاني «مش أنا» الذي فرض نفسه بسطوة البطل والبطلة، تامر حسني وحلا شيحة فقد استثمرت فيه المخرجة سارة وفيق نجومية المطرب تامر حسني الغنائية التي تُعتبر ضمانة حقيقية للنجاح إذا ما تم الاهتمام بدور المطرب وتوظيفه حسب المزاج العام لجمهور الأغنية الذي يختلف في ذائقته عن جمهور السينما، فهناك مُتطلبات يجب توافرها في موضوع الفيلم الذي تُسند بطولته لمُغن بمعنى أن يكون الموضوع خفيفا ومُستساغا ويسمح بوصلات غنائية بين المشاهد لإرضاء رغبات المُتفرج المُرتبط نفسياً بالمغني.
كما يستوجب الأمر في بعض الأحيان زيادة المساحات الرومانسية في الأحداث أو مزجها بالكوميديا إذا كانت هناك ضرورة.
ومن الطبيعي أن تكون المخرجة قد راعت كل هذه الجوانب في ضوء الاستثمار الصحيح لشعبية بطلها تامر حسني، وأيضاً بطلتها حلا شيحة التي توحي ملامحها بالرقة والرومانسية وصدق الحالة العاطفية، ولحلا تجارب كثيرة ناجحة في هذه الأدوار ربما يبُرز من بينها دورها المهم في فيلم «عريس من جهة أمنية» مع عادل إمام وشريف منير والذي تم إنتاجه منذ سنوات.
تبقى بعض الأفلام الأخرى كعينات لنماذج يتم التعويل عليها في الموسم الشتوي المقبل قبل أن تنتهي صلاحيتها بُمضي المدة، هذه الأفلام هي «العارف» إخراج أحمد علاء الديب، تأليف محمد سيد بشير وبطولة أحمد عز وأحمد فهمي وكارمن ومصطفى خاطر وهو يعتمد على الأكشن والإثارة والمطاردة كمقومات أساسية للفكرة والبناء الدرامي، وكذلك فيلم «البعض لا يذهب للمأذون مرتين» تأليف أيمن وتار وإخراج أحمد الجندي وبطولة كريم عبد العزيز وماجد الكدواني ودينا الشربيني وبيومي فؤاد ومحمد ثروت.
وتدل العينات والنماذج المُستعرضة في السطور السابقة على وجود ثراء في الأفكار والأطروحات السينمائية الحديثة، لكن شيئاً ما ينقصها هو التفاعل الجماهيري نتيجة الأزمة الراهنة والخوف من تداعيات الوباء الذي يُحجم القدرات والإمكانيات ويُفسد مُتعة المشاهدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية