من هو صفا الجميل؟ السؤال يبدو غريباً وصعباً، فثمة شخصيات مهمة في تاريخ السينما المصرية لا يعرفها أحد لأنها ليست من نجوم الصف الأول أو الثاني، وصفا الجميل أحد أولئك الذين عاشوا حياتهم الفنية كلها في الظل لأنه لا يمت للعائلات الفنية العريقة بصلة، وليس من أهل الحظوة وإن كان من أهل الحظ وهذا هو سر تأثيره وأهميته.
لنبدأ من أول المشوار مع الطفل والصبي الموهوب الذي اكتشفه الموسيقار محمد عبد الوهاب وقدمه في فيلم “دموع الحب” عام 1935 كوجه جديد تتوافر فيه دلائل الخير والتفاؤل، كونه من الشخصيات المبروكة التي تجلب الرزق. بموجب هذه القناعة رأى عبد الوهاب في الطفل صفا الجميل ما لم يره في غيره، فبالإضافة إلى تلقائيته الشديدة وحُسن نيته المفرطة وذكائه الحاد، هو أيضاً موهوب ومطيع ويمتلك ذاكرة فوتوغرافية تسجل كل ما تسمعه وما تراه بمجرد الملاحظة ولا يحتاج جهدا للتعلم والتوجيه.
تحمس الموسيقار للطفل ونقل حماسه للمخرج محمد كريم فجرى على الفور توظيفه في دور صغير وكانت أولى خطواته الواثقة على طريق الإبداع السينمائي محفوفة بالتشجيع والمباركة، وبنجاح الفيلم تأكد حدس عبد الوهاب وصار الوجه الجديد مطلوباً في معظم الأفلام وبات المنتجون يتهافتون علية تفاؤلاً واستبشاراً بعد أن ذاع صيته في الوسط الفني كتميمة حظ تجلب الخير والرزق والسعادة وتوفر غطاء الأمان لمن يستعين به ولو في مشهد واحد.
ولأنه لم يكن وسيماً ولا مُهندماً ويتسم مظهره بالتواضع الشديد والبساطة المتناهية، فقد وضع في القالب الكوميدي الساخر باعتباره مُضحكا بطبيعته وأقرب إلى السذاجة والبلاهة والتواكل، وبناءً عليه استمر في أداء هذه النوعية من الأدوار وبدأ يأخذ حيزاً وفيراً في أفلام مهمة مع نجوم الكوميديا الكبار، إذ استعان به نجيب الريحاني ليلعب دورا مؤثرا في فيلم “سلامة في خير” عام 1937 حيث جسد شخصية تلميذ بليد في المرحلة الابتدائية يخطأ في قراءة درس المطالعة وينطق الحروف بطريقة كوميدية تليق بطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة برغم فطنته الفعلية على المستوى الشخصي والواقعي.
وقد أجاد أداء الشخصية إجادة تامة فأقنع الجمهور بأنه بالفعل معاق ذهنياً، وظل هكذا في معظم أدوارة التي لم تخرج عن الأداء الكاريكاتيري واستخدم في ذلك تعبيرات وجهه الموحية بالبلاهة كي يرتبط بتلك النوعية من الأداء التأثيري المبالغ فيه، وبالفعل استمر على هذا المنوال يقدم دوراً تلو الآخر بنفس الكفاءة والإتقان.
وقد بلغ رصيده من الأفلام مبلغاً من الوفرة وشارك معظم النجوم الكبار بطولاتهم ، فعمل في فيلم “شيء من لا شيء” وفيلم “العزيمة” و”سلفني 3 جنيه” و”جوهرة” و”إلى الأبد” و”المغني المجهول” و”غزل البنات” و”الأستاذة فاطمة” و”دهب” وتوالت أدوارة وأعماله حتى وصلت إلى 27 فيلماً تنوعت خلالها صورة الكوميدية والإنسانية إلى الحد الذي لفت نظر كبار نجمات الشاشة العربية وعلى رأسهن فاتن حمامة وأسمهان وليلى مراد، حيث ارتبط بهن ارتباطاً عاطفياً وعاش في خياله قصص حب من طرف واحد جراء المعاملة المتميزة والمكانة التي كان يتمتع بها عند كل منهن، للاعتبار الذي ذكرناه سلفاً وهو الربط القوي بينه وبين نجاح أفلامهن.
ولم يكن بمقدور صفا الجميل الهروب من الإحساس العاطفي الذي ربطه بحسناوات السينما المصرية ونجماتها المتألقات، وكذلك لم تشأ أي واحدة منهن أن تهيف مشاعره أو تسخر منها فهو ابن الحظ والخير وجالب السعادة لمن يعرفه ومن يُحسن معاملته.
وقد ارتبطت به بصفة خاصة أسمهان التي كانت تتبادل معه الرسائل في رحلات سفرها إلى الخارج لتعرف منه ما يُستجد على الساحة الفنية وتأخذ برأيه في أدق تفاصيل حياتها الشخصية والفنية، لذا حزن صفا حزناً شديداً لوفاتها وأصيب بالاكتئاب وانصرف لفترة طويلة عن الحياة الفنية ولم يعد إليها إلا لوقت قصير.
وكذلك أحب ليلى مراد وحاول أن يعبر لها عن حبه ومشاعره تجاهها وكالعادة قابلت المطربة الكبيرة نزوعه العاطفي بكثير من الامتنان والود الجميل كي تُبقي على علاقتها به فلا تخسره ولا تُصاب بالنحس ولا تُحرم من بركاته وهباته وحُسن طالعه، إذ لم يداخلها أبداً شك في نقائه وطيبته وتأثيره الإيجابي على من يحبهم ويصطفيهم ويصادقهم.
وهكذا عاش الممثل المغمور صفا الجميل نجماً في قلوب محبيه من الكبار والصغار وظل الأبن البار للكثير منهم، لا سيما زينات صدقي التي لعبت دور أمه في الغالبية العظمى من الأفلام الكوميدية المهمة. فقد أصيبت بما أصاب غيرها من ضعف تجاه الولد المبروك الذي لا يُرد له طلب ولا يفشل له فيلم.
أمضى الجميل حياةً بسيطة هادئة نعم خلالها بقدر من الشهرة وكثير من الحب والتأييد واتسمت طبيعته السمحة بالرضا والقناعة، وظل وفياً لأصحابه ومعارفه وزملائه إلى أن وافته المنية في سن صغيرة عام 1966 فأسدل الستار على سيرته الذاتية فلم يعرف الكثيرون عنها شيئاً يُذكر، اللهم إلا ملامح أدوارة المرسومة على الشاشة، الناطقة بالفرح والبراءة والحزن.