«صلاة القلق» رواية المصري محمد سمير ندا: الخطاب المضاد والمتخيل العجائبي للحرية

عادل ضرغام
حجم الخط
1

في روايته «صلاة القلق» يختار الكاتب المصري محمد سمير ندا حادثة معروفة، ليبني من خلالها قراءة أو إعادة قراءة لفترة زمنية من تاريخنا الحديث، عاقدا مجموعة من التشابهات والتوازيات بين مجموعة من الشخصيات وصفاتها والنماذج الحقيقية الواقعية، وكأنه يقدم مراجعة نقدية لتاريخ هذه الفترة، ذلك التاريخ المدوّن أو المتفق حوله، ليشكل نسخة أخرى لا تدّعي الموثوقية أو الصدق، فكل الحوادث والمرويات مشدودة إلى نسق خيالي وواقعي في آن. والخيالي هنا لا يجرح مشروعية الحقيقة، بل يجعلها تتجلى على نحو ما، ويقوم بإحداث زلزلة أو زحزحة لهذا الخطاب المستقر، بصياغة خطاب مواز.
في رواية تقدم خطابا من خطابات المراجعة، وتؤسس رموزها لهذا الهدف، يجب ألا نأخذ الرموز على إطلاقها، فكل شخصية تشكل رمزا لوجود واقعي تأخذ منه وتعطيه في جزئيات محددة، وليس في إطار التصور والتمدد الكامل للجانبين. فاللافت للنظر أن الحدث الواقعي الذي يشار إليه في نهاية الرواية من خلال وثائق وأخبار صحفية، يأتي وكأنه خرق لنسق سابق، أو فقد وتشظ لهوية متعالية مؤسسة في مساحات المرموز إليه، بصورته المقدّسة التي أُسس لها، وبالهزيمة التي ذهبت بهذه الهالة المصنوعة، أو على الأقل سمحت بمشروعية الأسئلة حول جدوى هذه النظرة المقدّسة.
في إعادة قراءة الخطاب المستقر هناك تعرية لأذرع السلطة التي تمارس التبرير والتغييب، فهذه الأذرع، يتم الاشتغال عليها بدقة، حيث تمارس وظيفتها في تفسير أو تبرير أي توجه من السلطة التي تدور في إطارها، وكلاهما – أي التفسير والتبرير – يلجم بدايات أي خروج أو تذمّر، وكأنهما معا يشكلان أداة للتنويم والتغييب. وأمام هاتين الوظيفتين يجد القارئ نفسه في مواجهة تاريخ مصنوع مملوء بالفجوات والثقوب، ويصنع ذاكرة جمعية مشوّهة، يستفحل وجودها بالسرديات المصاحبة، وتتأصل في هيئة مقدسة، لها قدرة على الفعل حتى في ظل الغياب.
السرد في الرواية ليس سردا عاديا، ولا يهتم بتقديم حكاية ممتدة ناجزة، فمعظم السرد – بعد الوعي باللعبة السردية في نهاية الرواية – سرد قائم على ذاكرة لا تخلو من التشويش، وتخلط الواقعي بالخيالي إذا توافرت بالفعل مسافة بينهما، والحقيقي بالزائف، وتعتمد في أحيان ليست قليلة على نزوعات عجائبية للإبقاء على فكرة الحرية بوصفها نقطة الوصول أملا حاضرا في كل آن. فالسرد لا يقدم حكاية كلاسيكية، ربما لاعتماده في أجزاء من النص على ما يمكن أن نطلق عليه تعددا صوتيا في الفهم الأولي، ولاعتماده على نقض خطاب مؤسس، وعلى القارئ أن ينصت إلى كل الأصوات، لكي يستطيع أن يكوّن تصورا ما عن هذه الحكاية التي تجلت بشكل مفتت، وغير تامة الأركان أو الأجزاء.

التقديس
والخطاب المضاد

تشتغل الرواية في تفعيلها للحادثة الواقعية، وإعادة تخصيبها في سياق جديد يرتبط بإعادة القراءة بالسياسي الملتحم بالديني، على فكرة أساسية ترتبط بالغياب أو الانقطاع أو العزل عن الخارج المحيط، وتنقل فكرة العزل المرضي إلى سياق سياسي سابق، تُسلب فيه الحريات الفردية والجماعية، بسبل ومنطلقات عديدة، وذلك لتمكين سلطة وحيدة، وخطاب وحيد، وإسدال قداسة على صاحب السلطة وخطابها، وعلى كل من يمثله أو ينوب عنه. فالسلطة في الخطاب المهيمن الذي يحاول النص الروائي تفكيكه نموذج دائم التكرار.
تفترض الرواية في بنائها وفي تناولها لفكرة السلطة أن هناك تشابها بين السلطة برأسها الأكبر وممثليها أو رموزها، ولهذا نجد في النص الروائي ثمة تشابهات بين رأس السلطة ناصر وخليل خوجة مسؤول الدولة عن النجع المعزول. وناصر في النص الروائي شخصية غائبة يحضر بالحديث عنه، وبمقولاته، وبتمثاله الموضوع قريبا من بيت خليل خوجة، فكلاهما يمثل الآخر ويشير إليه. وقد تجلى هذا الارتباط والتشابه الخاص بينهما على لسان أكثر من شخصية، مثل شخصية زكريا النسّاج، أو شخصية نوح النحّال، يقول النحّال موجها حديثه إلى الشيخ أيوب حين حاول ممارسة دوره في التبرير والتفسير مستندا إلى سلطته الدينية: (الحرب التي تتشدق بقداستها فوق منبرك المتداعي كل جمعة هي حرب خليل الخوجة، وثلته التي نصبته نبيا).
حالة التماهي بين صاحب السلطة وممثليها، تجذّر في هذا السياق خطابا واحدا، ولا يسمح بوجود أو شيوع خطاب مغاير، يؤثر أو يجرح واحدية الخطاب، وليس هناك مساحة للرفض، فقيمة الخطاب مساوية لصاحب السلطة وممثلها، ولهذا نجد أن رفض النسّاج عرض منسوجاته وبضائعة في دكان خليل خوجة – ممثل السلطة – يفسّر بكونه سلوكا معاديا للدولة، لأنه بسلوكه أوجد مساحة من الحرية الفردية للحركة، ولم يمارس الانحناء الذي يقوم به الجميع. فصورة الزعيم المقدسة لا تنفصل عن العجائبية التي ترسمها المخيلة الشعبية فتحيله إلى أسطورة، مثل قدرة تمثاله على مواقعة النساء اللواتي يتأخرن بعد المغرب في الحقول، بقدرة خارقة وفحولة، أو معاقبة الأطفال والفتيان السهارى.
يأتي المرتكز الثاني متمثلا في ذراع من أذرعة أية سلطة، له أهمية، حيث يملك مساحة إقناعية، لارتباطه بالدين، وبالسلطة الدينية، وذلك لقيام ممثليها بوظيفتي التبرير والتفسير. فالأب جعفر شيخ المسجد برواياته الخارقة التي يرويها الناس، حول عودته من الموت، يقول عن دورانه في فلك السلطة وصاحبها، وتحريفه لآيات القرآن لكي تناسب الزعيم: (ربما أنعت بين الناس بالجنون، لو شككت في الوجود الإلهي، ولكن إنكار مكانة الزعيم حتما سيترتب عليه أمور أشد قسوة، وتنكيل لا يحتمله عجوز مثلي).
يأتي المرتكز الأخير مرتبطا بتوحيد مصدر المعرفة، وغلق النوافذ أو الكوى التي يمكن أن تقدم رأيا آخر مغايرا، ومن يتجاسر على كسر هذا الأمر يصبح مصيره الاختفاء، مثل اختفاء زوجة خليل خوجة التي أدركت أشياء غير مسموح بها. وتوحيد مصدر المعرفة أقرب في التصور إلى الذراع الإعلامية التي تعمل على تأسيس القداسة القائمة على الواحدية والفرادة، من خلال قصر المعرفة على وسيلة واحدة تتحكم فيها السلطة، تتمثل في جريدة (صوت الحرب)، حيث توزّع يوميا على كلّ سكان النجع.
قيمة هذا العمل الروائي تتجلى في اعتماده من بدايته إلى نهايته على الإيحاء والإيماء، حتى في صناعة رموزه، فقد ظلت هذه الرموز مشدودة للواقعة الحقيقية الخاصة بالمرض والعزل والتخويف من خلال الألغام، ولكنها لا تكفّ عن الإشارة إلى شخصيات واقعية حقيقية في الأفق السياسي القريب، ويصبح العزل الواقعي – في ظل ذلك – سمة دالة على غياب الحرية، فكل الشخصيات – بعيدا عن رمز الحرية الأثير في النص الروائي شواهي الغجرية – لديها نزوع للخروج من النجع، فوداد القابلة أو الداية تقول: «يعوي ذئب على مبعدة مني، فيصلني صوته المحزون، من قلب حزام الألغام، أتعجب إذ ينال الذئب من الحرية وحسن الطالع، ما لا يحظى به آل النجع».
ويتجاوب مع النحّال شخصية زكريا النسّاج، الفلسطيني الأصل، فقد تطوّع أبناؤه الثلاثة في الحرب، للخروج من النجع، وهو لا يؤمن بالزعيم، ولا بقداسته، ويقوم بتمزيق صوره والملصقات الخاصة به، ولهذا نجده مقتولا قبل ثورة النحّال. وتأتي شخصية محجوب النجّار نموذجا له خصوصية، لأنه نشأ منذ طفولته على المخاطرة، وحب الحرية والطيران ومعانقة المجهول، فكأن الرغبة في الخروج من النجع تعبر عن وجود حقيقي متأصل بداخله، فهو يرى (أن الحرية هي المصل، بيد أن الحرية لا تفيض من أنفاس المقهورين)، ولكن خروجه وتمسكه بالحرية، يتوزاى مع تكرار المهيمن الآني، لإيمانه بنبوة طفله القادم.

من تجاوب الأصوات إلى المتخيل العجائبي للحرية

بنية الرواية لا تتبع منطقا مستقرا من البداية إلى النهاية، فالرواية تقدم بنية مجزأة مشدودة إلى فعل الذاكرة، وكلما وصل القارئ إلى تصوّر بنائي يلمّ شتات وجزئيات السرد، يجد أن هناك تحويرا جديدا، يظهر على السطح، فهناك في البداية توزّع بين الغياب وأصوات المتكلمين الساردين الذين يتغيرون في كل جلسة سردية، ليمنحه النص الروائي القدرة على السرد والتحكم في حركة المعنى، ولكن هذه الآلية الخاصة بأصوات المتكلمين، يتمّ تغييبها من خلال إدراك أن هناك لعبة سردية أخرى، حيث يقوم حكيم ولد خليل خوجة بتقمص شخصيات هؤلاء الساردين، وهذا يجعلنا – أو يجعل القارئ – يقرأ نصا روائيا، تمّ بناؤه على نص روائي من جهة أولى، ومن جهة أخرى يصبح المسرود عن هذه الشخصيات – حتى وإن جاء بضمير المتكلم – في حيز الرؤية الفردية لكاتب هذه الأحاديث أو الجلسات، وخاضعا لوجهة نظره، ووعيه، فنفي صفة الارتباط أو الإلصاق بأصحابها له دوره في جعل هذه النسخة السردية المضادة داخل حيز النقد والإضافة والتعديل، ويجعلها شبيهة بغيرها من النسخ السابقة أو اللاحقة في خضوعها للقراءة وإعادة القراءة.
إن الأجزاء الأربعة التي تتجلى على مسافات متباعدة في النص الروائي، وتأتي مسرودة بضمير الغياب، يؤسس من خلالها الخطاب السردي مساحات للرموز، وإطارات يتمّ تضفير الحدث فيها داخل سياق خاص يجعله صالحا وقابلا للإيحاء والانتقال من سياق إلى سياق. وهذا يمنح المتلقي قراءة مغايرة لبناء تاريخ شعبي لفترة شديدة الخصوصية من تاريخ مصر الحديث، خاصة إذا استحضر القارئ حدث انفجار النيزك أو الشهاب، وما يوازيه من أحداث، وما تجاوب مع كليهما من جزئيات كاشفة عن بداية تفسخ الصورة المقدسة للتمثال، فانشطاره إلى نصفين علوي وسفلي – تمثال ناصر – يوجّه نحو بروز مساحات من الشك حول الصورة المقدسة التي يؤمن بها كثيرون.
وتكاد شواهي – بالإضافة إلى حكيم – الشخصية النسوية الوحيدة التي لم تتأثر بالخلل الجسدي، مثل تساقط الشعر والجفون الذي أصاب الجميع بسقوط النيزك أو سهم الله أو الحدث الجلل، لأنها ظلّت بعيدة عن الخنوع والتدجين، فلديها توق للخروج من محددات النمط والتطويع، فنراها تقول عن النجع ونسائه: «كل قصصهن تدور في أفلاك الخوف، أبطالها نداهة، وظلال وشيخ عائد من قبره». فشواهي تعتبر الرمز الخاص بالحرية، بسلوكها اللافت من البداية، ونفورها من العاديين من البشر. وقد شكلّت في ظلّ هذا الإباء والشموخ صورة متعالية، وقد أثر ذلك في تشكيل فارسها وعالمها الخاص داخل إطار مثالي، يتخلص من كل نقائص نجع المناسي، تقول الرواية على لسانها: «أريده حرّا… في عالم آخر لا يعرف الألغام، والتمثيل والأوبئة، عالم بسيط، لا يثقل هواءه القلق، ولا تمطر سماؤه الحجارة… عالم لا يُقتل فيه النسّاج، ولا يعرف عجز الشيخ أيوب، ولا جنون النحّال المكلوم».
في الهوامش الأخيرة تتشكل الحالة العجائبية المرتبطة بالأحلام، ومن خلال تشابهات عديدة، مع الطوفان أو الميلاد الجديد، في خروج حكيم من النار سليما معافى، ولقائه وارتباطه بشواهي، نموذج أو رمز الحرية الأكثر اكتمالا وحضورا، في رفضها حتى بعد النجاة من الطوفان أو بعد الميلاد الجديد لكليهما، أن تعيش منزوية أو مقموعة في ظل شخص آخر، فتتركه في محطة القطار الذي يشير وجوده إلى العودة إلى النسق الطبيعي للحياة بعيدا عن السياق أو النمط الأحادي السابق. فتظل شواهي فكرة مثالية مجردة للحرية يحاول الجميع الاقتراب منها، والعيش في كنفها، أو مطاردتها في لحظات وأزمنة الغياب، ومن ثم يأتي صوت حكيم وهو على مشارف لحظة جديدة مشيرا إلى غيابها، في قوله: «أنا ابن زمان الصوت الواحد، والنبرة الواحدة، والنشيد الواحد، والصحيفة الواحدة، فهل تعيد التناغم والتجانس بين هذا العالم البريء». ففي هذا القول توجيه نحو سياقات عربية ماضية وآنية ومستقبلية، وكأن هذه الرواية تشتغل على جزئيات أصبحت ملازمة للهوية العربية، تعمل جاهدة على التخلص منها.

محمد سمير ندا: «صلاة القلق»
مسكيلياني، تونس 2024
360 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية