دمشق ـ «القدس العربي»: أثار الإعلان الدستوري في سوريا حالة من الجدل، فبينما اعتبره البعض «خطوة مهمة لهندسة مرحلة الاستقرار في البلاد» وجّه آخرون انتقادات لاذعة، معتبرين أن بنود الإعلان تُكرّس هيمنة السلطة وتتجاهل التنوع الإثني والديني والسياسي والمجتمعي والثقافي في سوريا.
وتسلّم الرئيس السوري للمرحلة المؤقتة أحمد الشرع، الخميس، مسودة الإعلان الدستوري من اللجنة المكلفة بصياغته.
وأفادت لجنة الخبراء المكلفة بصياغة مسودة الإعلان الدستوري في بيان أن الإعلان ينص على حرية الرأي والتعبير، والإعلام والنشر والصحافة. كما يؤكد على التزام الدولة بوحدة الأرض والشعب واحترام الخصوصيات الثقافية، والحرص على باب خاص بالحقوق والحريات لخلق توازن بين الأمن المجتمعي والحرية. كما ينص الإعلان على ضمان حق الملكية وحق المرأة في العلم والمشاركة في العمل وكفل لها الحقوق السياسية. ويركز على أهمية القضاة وأحكامهم واستقلاليتهم وترك أمر عزل الرئيس أو فصله أو تقليص سلطاته لمجلس الشعب.
القربي: ورثنا دولة منهارة
وفقا للجنة المكلفة بصياغة مسودة الإعلان الدستوري، فإن مجلس الشعب يتولى العملية التشريعية كاملة، والسلطة التنفيذية يتولاها رئيس الجمهورية، وتم تحديد مدة المرحلة الانتقالية بـ 5 سنوات، كما تم منح رئيس الجمهورية حق إعلان حالة الطوارئ.
وردا على هذه الانتقادات التي طالت الإعلان، قال عضو لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري الدكتور أحمد القربي لـ«القدس العربي»: لا بد لنا من النظر إلى السياق السوري، نحن ورثنا دولة السلطات فيها شبه منهارة، لا توجد وزارة دفاع، والتي كانت موجودة كانت توجه سلاحها لقتل السوريين، بينما ينتشر السلاح وفصائل متعددة على كامل الأرض السورية، كما أن أجزاء من الدولة خارج سيطرة الدولة إلى الآن، وبعض المكونات السورية تريد إعادة إنتاج النظام السابق».
وأضاف: «في مثل هذا السياق كيف يمكن أن يتم بناء مؤسسات الدولة؟ نحن اليوم نتكلم عن السلطة التنفيذية، ولاحظت هجوما كبيرا على لجنة صياغة الإعلان الدستوري ينتقد تركيز السلطة التنفيذية أو صلاحيات كبيرة بيد رئيس الدولة، وعلى ذلك أجيب، إذا سحبنا الصلاحيات التنفيذية من رئيس الدولة، من هي الجهة التي يمكن أن نسد لها هذه الصلاحيات؟ وهل نسندها إلى السلطة التشريعية؟ «.
رداً على الانتقادات… وحديث عن مواد تنسف مبدأ الفصل بين السلطات
وتابع: عندما نقول رئيس الدولة هو القائد العام للجيش والقوات المسلحة، من الذي يمكن أن يرأس الجيش؟ وعندما نقول إن الرئيس هو من يقوم بتعيين السفراء. في حال سحبنا هذه الصلاحية من الرئيس، من الذي يمكن أن يدير هذا الأمر؟ وهل من الطبيعي أن يكون بيد البرلمان؟ أم السلطة القضائية؟».
منع تغوّل الرئيس
وزاد القربي: «على العكس، نحن منعنا الرئيس من التغول على صلاحيات السلطة التشريعية والسلطة القضائية، بينما في السابق، ووفق دستور 1973 ـ 2012 كان يحق للرئيس أن يصدر التشريعات، أما اليوم فهذه الصلاحيات سحبت منه حاليا، ولا يحق للرئيس أن يصدر أي تشريع».
وقال «حتى إعلان حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر هي تحتاج إلى موافقة مجلس الأمن القومي، وتمديدها يحتاج إلى موافقة مجلس الشعب».
مشكلة في الانتخابات
بخصوص الانتقادات الموجهة حول إمكانية تعيين الرئيس لثلث مجلس الشعب، قال القربي: «ثلثا مجلس الشعب يتم اختيارهم من قبل هيئات ناخبة تمثيلية، وثلث يتم اختياره من قبل الرئيس، رغم أن إعلان النصر منح الصلاحية كاملة للرئيس، وهو ما أوصلنا إلى هذا الحل».
وتابع: في حال اختيار مجلس الشعب كاملا من قبل الهيئة التمثيلية، سوف نواجه مشكلة بالنسبة لنتائج الانتخابات، بالنظر إلى التجربة الليبية، قبول الانتخابات هي ثقافة، كيف يمكن أن تنتقل سوريا إلى انتخابات خلال شهر أو شهرين، لو كنا نستطيع أن ننتقل إلى الانتخابات لم نكن في حاجة إلى 5 سنوات كفترة انتقالية، وكان يمكن أن ننتقل إلى مرحلة الاستقرار».
الناشط السياسي والخبير في الشؤون الاقتصادية كرم شعار، وجّه انتقادا للإعلان الدستوري الجديد حول تثبيت مبدأ الفصل بين السلطات.
وقال: الإعلان الدستوري يثبت مبدأ الفصل بين السلطات (المادة 2) لكن في الواقع باقي مواده تنسف هذا المبدأ وترفع الرئيس فوق أي شكل من أشكال المساءلة.
وأضاف: السلطات التنفيذية التالية نمطية ومتوقعة: القائد الأعلى للقوات المسلحة (المادة 32): الرئيس هو المسؤول الأول عن الجيش وأمن البلد وسلامة أراضيه، السلطة التنفيذية (المادة 31): الرئيس، مع الوزراء، يدير شؤون الدولة، وينفّذ القوانين، ويشرف على عمل الحكومة، السلطات الاستثنائية (المادة 41): الرئيس يقدر يعلن حالة الطوارئ، بموافقة مجلس الأمن القومي، الذي هو يعيّن أعضاءه.
لكن الرئيس لديه صلاحيات تشريعية واسعة، اقتراح القوانين (المادة 39): الرئيس عنده حق الاعتراض على القوانين التي يقرّها المجلس التشريعي، ولا يكسر الاعتراض إلا بأغلبية الثلثين.
ورأى السياسي السوري درويش خليفة، أن اعتراض البعض على هوية الدولة في الدستور الجديد، والتي استندت إلى التسمية المتوارثة الجمهورية العربية السورية، في غير مكانه، حيث قال: لا بدّ من التوضيح بأن هذه التسمية ليست من باب إثارة النعرات القومية، وإنما لاعتبارات تتعلق بالمرحلة الراهنة، وضرورة مخاطبة المحيط الجيوسياسي لسوريا، الذي فتح أبوابه أمام السلطة الجديدة، بدءًا من الرياض والعواصم العربية الأخرى.
الأهم من ذلك، أن هذه الهوية الدستورية تؤكد رسميًا انتزاع سوريا من الهيمنة الإيرانية والروسية، وإعادتها إلى عمقها العربي والإسلامي، بما يتناغم مع توجهات القوى المنتصرة على النظام الذي أذاق السوريين ويلات القمع والدمار.
إمكانية النقد والتعديل
وأضاف: بالطبع، الإعلان الدستوري ليس نصًا مقدسًا، وهو وثيقة مؤقتة قابلة للتعديل وفقًا لمقتضيات المرحلة، وليس وفق الأهواء الفردية. أي نقد بنّاء يجب أن يكون منطلقًا من المصلحة الوطنية ومتطلبات الحكم الرشيد، وليس من منطلقات ضيقة أو حسابات سياسية آنية.
«قسد» اعتبرت الإعلان «إنتاجا للاستبداد بصيغة جديدة»
رفضت قوات «سوريا الديمقراطية» (قسد) الإعلان الدستوري في سوريا.
وقالت في بيان «كما ورد في بياننا السابق بتاريخ 26 شباط 2025، فإن ما سُمي «مؤتمر الحوار الوطني» لم يكن نزيهًا في تمثيل المكونات الاجتماعية أو الكيانات السياسية، ويؤكد مجلس سوريا الديمقراطية أن كل ما يُبنى على نتائج هذا المؤتمر سيبقى قاصرًا عن معالجة القضية الوطنية».
وأضاف البيان: «تعيد هذه المسودة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة، حيث تكرّس الحكم المركزي وتمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة، بينما تقيّد العمل السياسي وتجمّد تشكيل الأحزاب، مما يعطل مسار التحول الديمقراطي، كما تتجاهل المسودة غياب آليات واضحة للعدالة الانتقالية، مما يزيد تعميق الأزمة الوطنية».
وأكد: «رفض أي محاولة لإعادة إنتاج الديكتاتورية تحت غطاء «المرحلة الانتقالية» ونؤكد أن أي إعلان دستوري يجب أن يكون نتاج توافق وطني حقيقي، وليس مشروعًا مفروضًا من طرف واحد. بناءً على ذلك، ندعو إلى إعادة صياغة الإعلان بما يضمن توزيع السلطة بشكل عادل، ويضمن حرية العمل السياسي، والاعتراف بحقوق جميع المكونات السورية، واعتماد نظام حكم لامركزي ديمقراطي، مع وضع آليات واضحة لتحقيق العدالة الانتقالية.
«الاتحاد السرياني» تحدث عن «استمرار تكريس الإقصاء والتهميش»
كذلك أصدر حزب الاتحاد السرياني في سوريا بياناً انتقد فيه الإعلان، معتبراً أنه «استمرار لتكريس الإقصاء والتهميش للمكونات السورية» ومحذراً من أنه «يمهد لمرحلة غير مستقرة».
وأشار البيان إلى أن هذا الإعلان جاء «ضمن توجهات وأيديولوجية السلطة الحاكمة واستمراراً للمفاهيم السابقة التي كان يتبناها نظام الأسد البائد» متهماً الحكومة المؤقتة بتجاهل «أهداف وتطلعات الشعب السوري وأهداف ثورته في التغيير نحو الديمقراطية والعدالة».
واعتبر الحزب أن الإعلان الدستوري الجديد يسعى إلى «ضرب التعددية القومية والتوجه نحو إعطاء سوريا هوية اللون الواحد والتحكم بالبلاد بنظام مركزي متشدد».
وحذر البيان من أن هذا الإعلان «بمثابة إعلان عن مرحلة غير مستقرة ولا يمهد للمرحلة الانتقالية المطلوبة في سوريا» مشدداً على أن المرحلة الانتقالية يجب أن تكون «مرحلة بناء الثقة وتكريس السلم الأهلي وتطبيق العدالة الانتقالية».
ودعا إلى بناء دولة سورية على «أسس التشاركية الحقيقية بين جميع المكونات مع ضمان حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية» مؤكداً أن هوية سوريا هي «دولة متعددة القوميات والثقافات والأديان».
وشدد على أن «الشعب السوري يتكون من عرب وكورد وسريان آشوريين ومن مسيحيين وإسلام وإيزيديين وغيرهم» وطالب بدولة «حيادية تجاه مختلف الأديان والقوميات وتحافظ على وحدتها وسيادتها واستقلالها وفق نظام لامركزي ديمقراطي وهوية وطنية جامعة».