الكتابة عن صلاح الراوي أستاذ الفن الشعبي في أكاديمية الفنون المصرية، ربما تفرض استدعاء البدايات الأولى في مشوار الأكاديمي والباحث والفنان، ذلك الرجل العصامي الطموح، المُنتمي للبيئة القناوية في جنوب مصر، بطبيعتها الخشنة وصلابة أبنائها وعنفوانهم، وإيمانهم المُطلق بطاقاتهم الإبداعية ومواهبهم الكامنة، التي تنتظر الفرصة للانطلاق ولا تدخر وسعاً من الجهد والوقت كي تُثبت جدارتها في ما هي متميزة فيه.
صلاح حسين الراوي طالب المرحلة الثانوية في فترة الستينيات، نموذج لموهبة كبرى عطلتها ظروف الحياة الصعبة عن الظهور المُبكر آنذاك، حيث كان الشاب مشغولاً بدوره كعامل في مشروع السد العالي، ومهموماً بالحُلم والتشييد والانتصار، كغيره من ملايين العمال الآملين في مستقبل أكثر استقراراً وأماناً بعد عناء طويل. ورغم العناء والشقاء لم يفارق حُلم الدراسة ودخول الجامعة والوقوف على ربوة العلم العالية صلاح الراوي، فقد ظل يتمسك بالصبر والمُثابرة، ويجتهد في المذاكرة والتحصيل حتى التحق بكلية الآداب، وتخرج فيها بتقدير جيد جداً في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وحينئذ عمل مدرساً لمدة خمس سنوات فقط من عام 1972 إلى عام 1977 حيث كان لا بد من استثمار الشهادة العلمية في ما هو قريب من تخصصه، لكنه لم يقنع بدوره كمدرس، فطموحه كان أكبر من حيز العمل الوظيفي التقليدي والروتيني، حسب وجهة نظره.
ولأن الراوي اسماً ولقباً يرتبط بالحكي والقص والرواية، فقد كان له من اسمه نصيب، لذا اهتم بفكرة البحث والتقصي، وارتبط بالواقع الاجتماعي وهموم الناس ومشكلاتهم، ارتباطاً وثيقاً، فدفعه الشغف بالمعلومات والحكايات إلى العمل بمهنة الصحافة، فالتحق بجريدة «الجمهورية» في عام 1977 للعمل محرراً، وكانت تلك هي البداية الحقيقية ومفتاح الدخول إلى عالم الفلكلور الشعبي والأساطير والخرافة والخيال، ذلك المجال النوعي الأخاذ الذي تخصص فيه بعد ذلك فأصبح علماً من أعلامة البارزين والمهمين.
ومع إن صلاح الراوي أحب مجال الصحافة وتكيف معه تكيفاً تاماً، إلا أنه لم يستمر أيضاً محرراً، ولم يعول كثيراً على فكرة الترقي الوظيفي داخل الجريدة الحكومية الرسمية آن ذاك، ليُصبح رئيساً للتحرير كطموح يراود دائماً العاملين في المؤسسات الصحافية، ويرجع ذلك إلى غواية الراوي للعمل الإبداعي وارتباطه بهمه الأساسي كباحث في الفلكلور المصري والفن الشعبي، الذي يعكس ثقافة البسطاء ويجسد التراث القديم الدال على هُوية الناس الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم ومعارفهم وخبراتهم وميولهم وانتماءاتهم. ولأن هذه الرغبة كانت أصيلة في تكوينه الإنساني والثقافي، فلم يستطع الانفصال عنها وآثر أن تكون دافعه للمزيد من الاطلاع والمعرفة، وبالفعل قادته رغبته القوية إلى العمل باحثاً في مركز دراسات الفنون الشعبية، وكان ذلك في عام 1980 وظل يعمل في المركز لعدة سنوات متتالية، وكان حينئذ قد حصل على درجة الماجستير في الأدب العربي من جامعة القاهرة بتقدير امتياز، وتم انتدابه لتدريس مادتي الأدب الشعبي وعلم الفلكلور في المعهد العالي للفنون الشعبية.
وباستمرار المسيرة العلمية الطويلة، اجتاز صلاح الراوي الشاب القناوي العامل في مشروع السد العالي كل الحواجز والعوائق، فنال درجة الدكتوراه في الأدب الشعبي بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وانضم للأسرة العلمية في مجاله الإبداعي والفني الفريد، وبات منوطاً به تدريس علم تشكيل الحكاية الخرافية والأسطورية، وهو المجال الذي استهدفه من البداية وقطع أشواطاً طويلة وعسيرة على طريقه، حتى صار واحداً من رواده البارزين فهو المجال النوعي التخصصي النادر والاستثنائي الذي ربما لا يعرف الكثيرون شيئاً عن تفاصيله، اللهم غير ما يروى من سير وحكايات شعبية عن أبطال الحواديت، أو ما تم تسجيله من ثقافات بيئية متنوعة وعادات مختلفة توارثتها الأجيال عبر الحقب الزمنية فصارت علامات مُميزه للبيئات والمجتمعات والشخصيات.
وعبر رحلته العلمية والدراسية تعددت إسهامات صلاح الراوي كأستاذ لمادة الفلكلور الشعبي والمُعتقدات الشعبية فنالت كلية التربية النوعية في بور سعيد حظها من علمه وخبراته، إذ عمل فيها لفترة كأستاذ للفنون الشعبية، وتخرجت على يديه دفعات من أنبغ المتخصصين في فن الحكاية والرواية والسرد الشعبي والبنية التحتية للتراث المصري الأصيل، وبموجب دوره العلمي المهم حصل الأستاذ والفنان الراحل الذي توفي عن عمر ناهز 75 عاماً على جائزة الدولة التقديرية عام 2015 وانتهت مسيرته الحياتية من دون أن تنتهي سيرته الإبداعية.
كاتب مصري