القاهرة ـ «القدس العربي»: تمر هذه الأيام الذكرى الأربعين لرحيل الشاعر المصري صلاح عبد الصبور (مايو/أيار 1931 ــ أغسطس/آب 1981) أحد رواد الشعر العربي الحديث. ولعل تجربة عبد الصبور الأدبية التي استمرت ما يقارب الثلاثين عاما هي ما تثير الدهشة، حيث كان نتاجها 6 دواوين أولها «الناس في بلادي» 1957، وآخرها «الإبحار في الذاكرة» 1977، وبينهما.. «أقول لكم» 1961، «أحلام الفارس القديم» 1964، «تأملات في زمن جريح» 1970، «شجر الليل» 1973. إضافة إلى 5 مسرحيات شعرية، هي.. «مأساة الحلاج» 1964، «مسافر ليل» 1968، «الأميرة تنتظر» 1969، «ليلى والمجنون» 1971، و«بعد أن يموت الملك». والكثير من المقالات النقدية والثقافية، ومؤلف في السيرة الذاتية بعنوان «حياتي في الشعر».
هذا النتاج الذي لم يزل حياً رغم مرور كل هذه السنوات. وقد احتفت ورشة الزيتون الأدبية في القاهرة بذكرى الرجل، كمحاولة لكشف العديد من جماليات شعر عبد الصبور وحياته القصيرة الصاخبة. تحدث في الندوة كل من الشاعر والناقد شعبان يوسف، والناقد يسري عبد الله، وفي ما يلي استعراض جانب منها..
الظرف التاريخي والموقف من أزمة مارس
«هل عاد ذو الوجه الكئيب؟
ذو النظرة البكماء والأنفِ المقوّس والندوب
هل عاد ذو الظفر الخضيب
ذو المشيةِ التياهةِ الخيلاء تنقُرُ في الدروب
لحناً من الإذلالِ والكذِبِ المرقّشِ والنعيب
ومدينتي معقودةُ الزّنارِ
عمياءَ ترقص في الظلام
ويصفر الدجالُ والقواد والقرّاد والحاوي الطروب
في عرس ذي الوجه الكئيب
من أين جاء؟
ويقول سادتُنا الأماجد حين يزوون الجبين
شأنَ الثِّقاةِ العارفين
من السماء
من أين جاء؟
ويظلّ أهلُ الفضل فينا حائرين
ويتمتمون على مسابحهم وهم يتلاغطون
هذا ابتلاء الله! هذا من تدابير القضاء»
(من قصيدة عودة ذي الوجه الكئيب، المنشورة في يونيو/حزيران 1954 في مجلة الآداب البيروتية).

بهذه القصيدة بدأ الناقد شعبان يوسف حديثه عن صلاح عبد الصبور، الذي ضمّنها ديوانه الأول «الناس في بلادي» والتي كانت هجاء لعبد الناصر بعد أزمة مارس/آذار 1954. إلا أنه جرى تأويلها بعد ذلك بأن عبد الصبور كان يقصد الاستعمار! ويضيف يوسف.. لا نستطيع أن نقول إن القصيدة انبثقت عن نزق سياسي أو فكري أو حتى وجودي لشاعر شاب، لا ينتمي إلى اليسار أو إلى اليمين، ولكنه كان كمثل جميع المثقفين يشعر بنوع من التمرد، ولا يجيد أي حسابات سياسية، ورغم أن الجميع بدون استثناء في مصر آنذاك تجاهلوا الكتابة عنها، حتى بعد أن نشرت في ديوانه الأول، بعدما تم تخفيف حدة العنوان، بإضافة جملة تفسيرية مفتعلة ليصير العنوان: «عودة ذى الوجه الكئيب.. إلى الاستعمار وأعوان الاستعمار»! إلا أن القصيدة كانت إحدى القصائد الرائدة في الشعر الجديد ذي الطابع السياسي، فلم تكن مباشرة أو هاتفة، كما لم تكن مغلقة تماماً حتى لا يظهر مرماها السياسي، بالإضافة إلى التقنيات التي بدأت تظهر في تجربة عبد الصبور، الإيقاع السريع، الجملة الشعرية المكتنزة بحمولات تتجاوز اللفظ، إذ كان قبل هذه القصيدة غارقا في القصائد العمودية ثقيلة الظل غائمة المعاني.
البحث عن قصيدة مصرية
بدأ عبد الصبور يلفت الأنظار، ليس بسبب هذه القصيدة فقط، ولكن كانت مساهماته الشعرية والنقدية المحدودة النشر تقرأ بعناية فائقة، وفي العدد المهم الذي صدر في يناير/كانون الثاني 1955 من مجلة «الآداب» البيروتية، الذي تم تخصيصه بأكمله عن الشعر الحديث، كان صلاح عبد الصبور هو الشاعر الوحيد من مصر الذي اختارته أسرة تحرير المجلة في الملف الذي أعدته تحت عنوان: «مستقبل الشعر العربي ــ الآداب تستفتي» وكانت شهادة صلاح هي أولى مشاركاته الجادة في الحياة الشعرية العربية، إذ بدأ شهادته بقوله: «ورث الشعر العربي مواضعات كثيرة أصبحت مع الزمن هي الجوهر، وأصبح غيرها مما هو جوهر كل شعر عرضا، والعرب في ماضيهم لم ينظروا إلى الشعر نظرة منصفة كفن، ولعلهم عدوه صنعة من لا صنعة له، وذريعة من اللفظ يستدر بها المعروف، وتقضى بها الحوائج، أو خلالا تسن ليعرف بها بناة العلا كيف تؤتى المكارم، فكان تصنيف الأغراض المأثورة نتيجة لذلك، وتقدّم غرض وتأخر ثان، وأصبح الغزل مثلا مقدمة بين يدي المدح، وقد نشأ الشعر العربي كما ينشأ كل شعر إنسانيا، ذاتيا، مؤديا لدور، حتى مال به الأعشى أو النابغة إلى التكسب… ولم يعرف المجتمع العربي الثورات الطبقية إلا نادرا، والشعراء العرب دائرون في كل فلك، قلما يختصون أنفسهم محاولين أن يتعمقوها أو يشملون الناس بالنظرة العاطفية الموجهة».
ورشة الزيتون في القاهرة تحتفي بالذكرى الأربعين لرحيله
من الواضح في هذه الشهاد للشاب محمد صلاح الدين عبد الصبور، الذي لم يصل عمره إلى أربعة وعشرين عاما، أنه مدجج بالمعرفة والرؤية والأفكار والطموح والتمرد، إذ أنه طرح بعض هواجسه المتعلقة بالتراث العربي في الشعر، للدرجة التي قال إن العرب أفسدوا اللغة العربية، وجعلوا منها مادة للترف، وأداة طقوسية وشعائرية، وفقيرة جدا في الإبداع والمغامرة. ومن المدهش أن عبد الصبور في تلك الشهادة أشاد بالشعر العامي والفلكلور، الذي لا يلتزم بأي غرض سوى التعبير الخالص عن الذات الجمعية (القومية).
ويضيف يوسف أن الملمح المهم أيضاً في شهادة عبد الصبور المبكرة، أنه كان يبحث عن قصيدة مصرية لم تُكتب من قبل، قصيدة تخلو من الزخرف والألفاظ الرنانة والتعبيرات المجازية والتطريب المفتعل والوظيفي، وما استشهاده بالشعر العامي أو الشعبي أو الفلكلوري، إلا لشعوره بأن هذا الشعر لم يلتزم أو يخضع للأطر الرسمية التي كانت تناسب المحافل العربية الرسمية أو الدينية أو الاجتماعية، لذا كان عبد الصبور يبحث عن قصيدة خارج الأروقة الرسمية المفتعلة، كما أنه كان يريد قصيدة مصرية أصيلة ذات طابع عربي ولغة عربية جديدة، وهذا ما اتضحت تضاريسه كافة في ديوانه الأول «الناس في بلادي» 1957، وفي تجربته كلها في ما بعد.

المثقف والسلطة
ويرى يوسف أنه لأسباب تتعلق بطبيعة الاستبداد التي شاعت بضراوة في عقدي الخمسينيات والستينيات، وفتح السجون والمعتقلات لكل من اعترض وتمرد وتفوّه بكلمة ضد النظام، لذا كان الكتّاب والمثقفون يعيشون في حالة افتقاد للحريات بشكل شبه كامل، فكل السيوف مشرّعة في وجه المثقف وعلى استعداد دائم للعمل في رقاب المثقفين. بينما كان صلاح عبد الصبور أكثر حكمة وتريثا، إذ حرّر شعره من مديح أشخاص أو زعماء أو رؤساء، فكانت قصائده الوطنية تتسم برموز أكثر عمومية، هكذا حرر صلاح عبد الصبور من ترهات المديح والهتاف لشخص أو لزعيم أو لسلطة، أو لظاهرة، أو لفكرة سياسية أعجبته واقتنع بها، فأصبح أحد العقول التي تصوغ رأيا سياسيا ينتصر للدولة المصرية، وراح يفعل ذلك في كتاباته النثرية السياسية بتوسع، فكتب عن القومية العربية، وعن امبراطورية ناصر الافريقية، وانتصر للفكرة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وهي الاشتراكية العربية. إلا أن ما كتبه في هذا المجال غير مقنع وغير علمي، وإذا كانت فكرة الاشتراكية العربية كانت أيديولوجية القوميين العرب، فلا أعتقد أن صلاح عبد الصبور كان منتميا إلى تيار القوميين العرب، لأننا ندرك جيدا ما كان يسعى عبد الصبور إليه في شعره، وهو بعث التراث المصري في كل ما يكتبه، وربما كان شعره يتسم بكثير من وجوه التمرد والغضب والاحتجاج الوجودي إذا صح التعبير، ولكنه ينحو عكس ذلك في مقالاته السياسية، لذلك أطلق عليه الناقد إبراهيم فتحي «المكتئب شعرا، والمبتسم نثرا».
ولن نندهش من كثير مما كتبه صلاح في تلك الفترة في مجال السياسة، فهو كان ينتصر لكل ما تقرره الدولة آنذاك، ويكتب داعما له، وبالطبع لن ننسى أن عبد الصبور كان محررا في أروقة الدولة، لذا فقد تورط في الانتصار للدعاية للتوجهات السياسية التي تفرضها أو تقترحها السلطة، باحثاً عن مبررات أو مخارج لها! وفي الأخير يرى شعبان يوسف أن صلاح عبد الصبور لم يكن يحلم بأن يكون في قصر السلطة، ولكنه عمل على محاولات تفادي عنف هذه السلطة، فكان يكتب بقدر ما من التعقل، أو بالقدر الذى يرضي الحد الأدنى من قناعاته، ولكنه سرّب كل ما يريد أن يقوله في مسرحياته البديعة، كما فعل ذلك في دواوينه كلها.
القصيدة الجديدة والمسرح الشعري
من جانبه تناول الناقد يسري عبد الله الجانب الفكري والجمالي في أعمال صلاح عبد الصبور، قائلاً إن فكرة الكتابة عند عبد الصبور تتخذ بُعداً تكاملياً، حيث التجديد الشعري مرتبط بالتنظير في ما بعد.
من ناحية أخرى يتميز المنجز الإبداعي للرجل بالانفتاح على التراث الإنساني عموماً، وليس العربي فقط، فهناك تأثير كبير لبودلير وبريخت وبرانديللو وإليوت على مسرح عبد الصبور الشعري، من حيث تقنية المسرح داخل المسرح، وما إلى ذلك، وصولاً إلى التراث الصوفي، وهو ما تجلى في كيفية التعامل الدرامي معه في مسرحيته الشعرية الأولى «مأساة الحلاج». فهناك دوماً جدل ما بين الفلسفي والجمالي في تجربة عبد الصبور الشعرية.
ويضيف عبد الله، أن عبد الصبور تعمّد بساطة اللغة وروحها المصرية، أو تمصير الفصحى، حتى يُعبّر جيداً عن ملامح الشخصيات التي يكتب عنها، وأن يخلق من خلالهم لغة حيّة أكثر إنسانية، وهذا ما تجلى في تقنيات القصيدة أيضاً، حيث اللجوء إلى الشعر الحر، فأبقى على الوزن ونفى القافية مُبتعداً عنها. لكن عبد الصبور يختلف عن مجايليه من رواد الشعر الحر العرب، ليس فقط من خلال البصمة الأسلوبية، ولكن الروح المصرية التي أصر على التجديد من خلالها، وهي خصوصية جمالية قاصرة على تجربته الإبداعية.