التضخم والأمن والهجرة ومستقبل التعليم وقضية الإجهاض، كانت أبرز القضايا الرئيسية التي تمحور حولها اهتمام الناخبين الأمريكيين فتوجهوا بالملايين إلى مراكز الاقتراع في انتخابات التجديد النصفية لانتخاب أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ في الكونغرس الأمريكي، وانتخاب حكام ولايات ومسؤولين محليين، وهي انتخابات تم وصفها بأنها هي الأكثر حدة في السنوات الأخيرة وسط اعتقاد بأنها ستترك تأثيرا حاسماً في جميع أنحاء البلاد لكونها انتخابات نصفية تتوسط فترة حكم الرئيس جو بايدن، وتعتبر ممهدة – بدلالاتها الشعبية – للانتخابات الرئاسية المقررة بعد سنتين حيث يترصد الرئيس السابق دونالد ترامب خصومة الديمقراطيين للعودة إلى خوض السباق الرئاسي في ظل قناعته الثابته التي يرددها دائما بأنه كان فائزا في رئاسيات العام 2020 لكن تم سرقة الفوز منه.
بايدن والتضخم
والمعركة الشرسة مع الجمهوريين
الرئيس الأمريكي جو بايدن طلب من الأمريكيين منحه الغالبية الكافية للالتفاف على القواعد البرلمانية التي تمنعه حالياً من تشريع الإجهاض في جميع أنحاء البلاد أو حظر الأسلحة النارية وتعزيز النظام الصحي وهي قضايا أكد عليها في خطاباته. بينما وعد الجمهوريون بأنهم سيخوضون معركة شرسة ضدّ التضخّم والهجرة والجرائم. لكن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رسم صورة قاتمة جدا عن الولايات المتحدة الأمريكية في عهد خصمه جو بايدن. وقال ترامب أمام حشد من مناصريه إن ارتفاع الأسعار يؤدي إلى «خنق الأسر» بينما «تخرج الجرائم العنيفة عن السيطرة» وحيث يقوم اليسار المتشدد بتلقين عقيدته لأولادنا.
التركيز على الأزمة المعيشية ومواجهة ارتفاع الأسعار وزيادة نسبة التضخم كانت رافعة للمرشحين من مؤيدي ترامب ومنهم على سبيل المثال جاي دي فانس الذي أصبح سناتورا عن ولاية أوهايو، أحد المعاقل الصناعية والزراعية في الولايات المتحدة. ومنهم أيضا الجمهوري تشاك غراسلي البالغ من العمر 89 عاما وهو السناتور عن ولاية أيوا منذ العام 1981 حيث فاز بمقعد في مجلس الشيوخ لولاية ثامنة بعدما تركزت حملته على مواجهة التضخم أيضا. وبالمقابل كانت إدارة بايدن تعد الأمريكيين بكبح جماح التضخم عبر قانون تم اعتماده في الكونغرس ويشمل تخصيص 369 مليار دولار لأمور مثل الطاقة النظيفة لتخفيض كلفة الطاقة الأحفورية التي ساهمت إلى جوانب عوامل أخرى في ارتفاع أسعار الاستهلاك بنسبة 7.7 في المئة في تشرين الأول/أكتوبر2022 مقارنةً بتشرين الأول/أكتوبر 2021 بحسب مؤشر أسعار المستهلك المرجعي الذي نشرته وزارة العمل الخميس الماضي. ولكن تلك النسبة كانت أعلى في شهر أيلول/سبتمبر حيث وصلت إلى 8.2 في المئة حينها، وهذا يعني أن التضخم سجل تراجعا مؤقتا، لكن ورغم ذلك فإن الرئيس الأمريكي جو بايدن حذّر أن «العودة إلى المستوى الطبيعي للتضخم ستستغرق وقتًا». واعتبر بايدن في بيان له بهذا الصدد أن هذه الأرقام تُظهر «تقدّمًا» لكن «رؤية التضخم يعود إلى مستويات طبيعية تتطلب وقتًا، ويمكننا أن نواجه نكسات على طريقنا نحو ذلك». ويؤكد بايدن أن الاقتصاد الأمريكي مرن ولا يزال يشهد معدلات بطالة متدنية وعودة إلى التصنيع على الرغم من ارتفاع التضخم. لكن الأخبار لم تكن سارة يوم الجمعة للدولار الأمريكي بعدما تراجع إلى أكثر من إثنين بالمئة مقابل سلة من العملات، في أكبر هبوط منذ أكثر من عقد، حيث هوى مقابل الين الياباني مسجِلا أسوأ يوم له منذ عام 2016 فانخفض بنسبة 3.7 في المئة ثم حاول تعويض بعض تلك الخسائر وارتفع في تعاملات الجمعة بمقدار 0.53 في المئة إلى 141.69 ين.
وتراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بشكل حاد، فانخفضت عوائدها القياسية- لأجل عشر سنوات -إلى ما دون 4 في المئة مسجلة أدنى مستوياتها في أكثر من شهر.
الهجرة محور
الاهتمام الأكبر في تكساس
رغم خطورة التضخم إلا أن مدينة ماك آلن في تكساس على الحدود مع المكسيك، تعيش قلقا من نوع آخر يتمثل في مسألة الهجرة، فهذه المنطقة المحسوبة على الديمقراطيين تعد إحدى بوابات دخول المهاجرين من أمريكا اللاتينية، علاوة على أن 80 في المئة من السكان هم من أصول لاتينية، وما يشغل بالهم هو معرفة خطة السلطات في مواجهة ضغوط الهجرة المتزايدة على الحدود لملايين اللاجئين. ويوجد في مدينة ماك آلن جسر يمتد فوق نهر ريو غراندي تعبره مئات السيارات يومياً، وجدار بُني خلال حكم إدارة ترامب. وعلى الرغم من ذلك، يحاول آلاف المهاجرين من أمريكا الوسطى وكوبا وفنزويلا وهايتي عبور النهر بكل الوسائل لدخول الأراضي الأمريكية غير آبهين بالعواقب بما فيها احتجاز أكثر من 2.5 مليون شخص بين الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2021 و31 آب/أغسطس 2022 وفق شرطة الحدود، فمعظمهم هؤلاء يهجرون بلادهم بسبب الفقر والعنف وانعدام الأفق. وهناك من يلقي المسؤولية على الحزب الديمقراطي بزعامة بايدن، فالجمهوريون يعتبرون أن الهجرة تسبب في انعدام الأمن ويجب مكافحتها من خلال منح وسائل إضافية لشرطة الحدود، بهدف حماية عائلات ماك آلن. وعن ذلك يقول أحد سكان المنطقة فرانسيسكو كابرال (71) عامًا: «لقد كسروا نظام الهجرة، ولم تعد السفارات والقنصليات والبوابات والجسور الدولية تجدي نفعا، فالحشود تعبر النهر وصارت الولايات المتحدة ضحية غزو صامت من جانب 11 مليون مهاجر غير شرعي» ويضيف «أن هناك رغبة من الرئيس جو بايدن في تسوية أوضاعهم، وهذا يقود البلاد إلى كارثة» ويؤكد أنه لا يريد أن يتم استخدام الضرائب التي يدفعها في تمويل برامج اجتماعية للمهاجرين. بالمقابل وعلى العكس من ذلك يعتقد كارلوس فانتيني أن المشكلة الرئيسية هي الإتجار بالبشر هنا على الحدود، وأنه يشعر بالحزن على الأشخاص الذين يضطرون إلى الهجرة، ولا يرى أنهم سيشكلون عبئا، فهم سيعملون، ويدفعون الضرائب، وسيقومون بأشياء إيجابية.
وزار الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون المدينة لتثبيت جذور الديمقراطيين فيها إذ أنه يعتبر أن الجمهوريين ينمّون حسّ الكراهية تجاه المهاجرين.
الأمن بين الأسلاك الشائكة
وصناديق الاقتراع
الهاجس الأمني لدى الأمريكيين ينطلق مما يوصف بفوضى انتشار وحمل ملايين قطع السلاح الفردي من جهة والتشكيك بنزاهة العملية الانتخابية كما حصل في الانتخابات الرئاسية عام 2020 من جهة ثانية، وخاصة بعد الحادثة الشهيرة لاقتحام مقر الكونغرس الأمريكي التي ما تزال ماثلة في أذهان الأمريكيين مع اتهامات لترامب بتشجيعها.
ونظرا لحدة التنافس في الانتخابات النصفية فقد قام مسؤولون في مقاطعة ماريكوبا بولاية أريزونا بتعزيز الإجراءات الأمنية بعدما أطلقوا تحذيرا بأنهم لن يتسامحوا بالمطلق مع كل من يحاول ترهيب الناخبين، لذلك قال قائد شرطة المقاطعة الشريف بول بينزون للصحافيين: سيكون لدينا «صفر تسامح» ولدي الكثير من الزنزانات لمن يختارون القدوم إلى هنا ومخالفة القانون. ولفت بينزون إلى أنه نشر رجال شرطة بملابس مدنية لحراسة مراكز الاقتراع وحماية نقل الصناديق التي تحوي بطاقات التصويت. وقال: «لم أفكر في حياتي أبدا أننا سنضع حواجز صلبة وسياجات وأسلاكاً شائكة لحماية مبنى يتم فيه تصويت حر» مضيفا «هذه هي نتيجة التضليل الإعلامي».
ويعود السبب في مضاعفة السلطات لإجراءات حماية الناخبين، إلى أن هذه المقاطعة أصبحت مثالا للمشككين بالانتخابات ونتائجها بعدما كان لأصواتها عام 2020 فضل كبير في تقدم جو بايدن على دونالد ترامب .
وتشهد المقاطعة التي يبلغ عدد سكانها 4.5 مليون نسمة توترا متزايدا منذ انتخابات عام 2020 بسبب إعلان الحزب الجمهوري في الولاية عدم ثقته بنظام الاقتراع فيها. ويعد جميع مرشحي الحزب الجمهوري للمناصب الوزارية والحاكم ومجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية في أريزونا من مؤيدي نظرية المؤامرة وإنكار النتائج منذ خسارة ترامب الانتخابات رغم أن مراجعات عدة لبطاقات الاقتراع لم يتم العثور على أي دليل يؤكد حصول تزوير.
لكن هذا لم يمنع مراقبين ملثمين وبعضهم يحمل السلاح من التنقل بين مراكز الاقتراع في محاولة على حد زعمهم لمنع التزوير.
والأسبوع الماضي أصدر قاض قرارا يلزم هؤلاء المراقبين بالبقاء على مسافة معينة من مراكز الاقتراع وعدم إشهار أسلحتهم قربها.
وأعرب ناخبون في فينيكس عن قلقهم بسبب التشكيك في انتخابات ولاية أريزونا منذ عام 2020 وقالت شانا إليس البالغة من العمر 51 عاما «إنه مناخ متوتر جدا ويجب أن يُمنح كل فرد الحق في التصويت ولا ينبغي أن يكون متوترا بشأن الذهاب للإدلاء بصوته». هذه الأجواء لم تغب عن بال الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي حث على المشاركة الفاعلة في الانتخابات محذرا في الوقت ذاته من أن الديمقراطية الأمريكية في خطر، ثم قام بعد انتهاء عمليات الاقتراع بالإعلان عن استعداده للتعاون مع الجمهوريين، تاركا الباب مفتوحا أمام ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة بعد سنتين لولاية ثانية.