صناعات فنية في خلفية المشهد السينمائي

كمال القاضي
حجم الخط
0

الإبداع بعيدا عن البوبغاندا

هناك أسباب كثيرة تقف وراء نجاح أو فشل الفيلم السينمائي، وتتأكد هذه الأسباب بالمستوى الإبداعي لمفردات العمل الفني وأساسياته ومدى ضلوعها في عملية النجاح والفشل. لكن المفردات الإبداعية الخاصة، تتوارى دائماً في الخلفية، فنسبة كبيرة من الجمهور لا تعرف عن طبيعة المكون الفني إلا القليل المُتصل بالقصة والسيناريو والإخراج والأداء التمثيلي للنجوم والأبطال، وهو ما يعد قصوراً في عملية التثقيف السينمائي التي لم تصل لغايتها بعد، حيث لا تزال هناك أمية ثقافية في هذا الخصوص، لاعتبارات، أولها أن الدعاية المصاحبة للفيلم الجديد تركز بشكل مُكثف على أسماء النجوم بوصفهم الأوراق الرابحة في ماراثون الإيرادات من دون الإشارة الكافية للجوانب الإبداعية الأخرى. ففي أحسن الظروف تتم الإضاءة على اسم المخرج فينتبه البعض له إذا كان يحظى بقدر من الشهرة.
أما مواطن الإبداع في العمل الفني والسينمائي خارج التخصصات المُشار إليها فهي مجرد علامات هامشية يُلتفت إليها في حالات استثنائية بحكم التأثير العام للمُصنف إذا ما حالفه الحظ وحقق نجاحاً فوق العادة، وفي هذا المقام والتقييم تندرج كافة الأدوات والتخصصات التي تشكل سحر الصورة وتصل بالمشاهد إلى ذروة التفاعل والانفعال بما يُقدم على الشاشة فيصيبها هم التجاهل أو عدم الإدراك لضرورتها وأهميتها القصوى كعوامل بناء رئيسية في المنظومة الإبداعية، مما ينعكس على صُناعها فيُصابون أيضاً بالغُبن جراء التهميش.
ولعل أهم ما يسترعي الانتباه في مفردات التشكيل والتكوين الخاصة بالفيلم، ذلك العنصر الأهم المُتمثل في الديكور، فهو أول ما تقع عليه العين في مطالعة المشهد السينمائي قبل تحديد الشخصيات الموجودة داخل الكادر أو الإنصات إلى الجُمل الحوارية المُتعلقة بالموضوع. وبرغم الجاذبية الشديدة لعنصر الديكور إلا أن بعض المشغولين بالمتابعة الدقيقة للقصة لا يهتمون كثيراً بمعرفة اسم المُصمم الذي اجتهد في إبداع الصورة الجمالية للمشهد ومنح الكاميرا والمصور فرصة لاستعراض زوايا وأبعاد الكادر كله بما يُفيد المعنى ويقرب الفكرة ويخلق الجو الملائم للأحداث ويسهل على الأبطال أدائهم واندماجهم.
وعلى امتداد التاريخ السينمائي المصري كله، لم يعرف العامة من الجمهور إلا القليل من الفنانين المتخصصين في فن الديكور، بدءاً من شادي عبد السلام ونهاية بأنسي أبو سيف، فما بينهما مجرد أسماء تظهر على التترات وتختفي في لمح البصر، وكذلك يأتي حظ المصور والمونتير ومُبدع الموسيقى التصويرية والغرافيك قليلاً ومتواضعاً من حيث الفرص المتوافرة له للوصول إلى الجمهور. فلو ذكرنا المصورين على سبيل المثال سنجد أن أشهرهم في تاريخ السينما المصرية، من ماضيها إلى حاضرها، هم عبد العزيز فهمي ووحيد فريد وسعيد شيمي وطارق التلمساني ومحمود عبد السميع، وهنا نتحدث عن مقياس الشهرة وليس مقياس الإتقان أو النجاح، حيث قائمة المبدعين المتميزين مليئة بنوابغ التصوير السينمائي والفوتوغرافي على حد سواء، لكن الذاكرة تحتفظ عادة بمن يتم تكرار اسمه وهو العيب الأخطر للميديا التي تركز على اسم وتترك الآخر مُتجاهلة المعايير المهنية في مسألة الحُكم إزاء عملية التقييم.
ولو نظرنا إلى مجال الموسيقى التصويرية سنجد الإشكالية ذاتها قائمة، فهناك نجوم كبار تربعوا على عرش المجال الإبداعي الموسيقي التصويري منذ ظهورهم وحتى رحيلهم، كأندريه رايدر وفؤاد الظاهري وعلي إسماعيل، تأتي بعدهم أسماء وشخصيات أخرى كعمر خيرت وعمار الشريعي ومودي الإمام وهاني مهنى وهاني شنودة ومجدي الحسيني، لكن تظل الريادة للأوائل من المبدعين الثلاثة، كونهم أبدعوا وبرعوا وحصلوا على الكثير من الفرص التي مكنتهم من إثبات قدراتهم الفائقة ورسخت أسماءهم كأهم من عملوا بالمجال وتفردوا فيه.
وعلى نفس المنوال توجد بعض الفروق في مستوى الشهرة لدى من يعملون في بقية التخصصات، فالمونتاج كعنصر مؤثر ومهم يبرز فيه فنانون من دون الآخرين، كأحمد متولي ونادية شكري ورشيدة عبد السلام، فهم نماذج استطاعت أن تخلق لنفسها حيزاً في دائرة الاهتمام الخاصة وقد أفنوا الكثير من الوقت والجهد كي يصلوا إلى ما وصلوا إليه من الشهرة وإن كان ما تحقق لهم في هذا الجانب يسيراً للغاية مقارنة بما قدموه من إبداعات متنوعة وثرية، وكذلك نجد أن الأشهر في مقدمات التترات قبل بداية الفيلم اسم نوال فهو عادة ما يُكتب على الشاشة بالبنط العريض منفرداً، لكن أحداً من الناس لا يعرف من هي نوال بالضبط فلم يُشاهد لها يوماً صورة على غلاف مجلة أو في المتن!
وإذا كان هذا يخص صناعة العمل الفني ذاته فهناك ما يخص العمل الدعائي أيضاً، كمصممي الأفيشات والإعلانات والفنيين والمتخصصين في الطباعة والتحميض وتدقيق الألوان وهم كُثر ولكنهم يعيشون كذلك في الظل!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية