لوس أنجليس – «القدس العربي»: عندما تجولت في مركز هوليوودي صباح أمس، شعرت وكأنني ويل سميث في فيلم الكوارث، أنا أسطورة؛ الشوارع خالية والأماكن العامة مهجورة ودور العرض الشهيرة ودكاكين السياحة مغلقة.
هكذا بدت مدينة الأحلام، بعد أن طلب رئيس بلدية لوس أنجليس مساء الأحد الماضي من السكان أن يلتزموا بتعليمات السلطات وأن يبقوا في بيوتهم.
عندما وصلت الى السوبرماركت، وجدت طابورا من الناس، كل منهم يفصله متران عن الآخر، ينتظرون أن يُسمح لهم بالدخول، وذلك لتفادي الاكتظاظ في الداخل.
تلك الاجراءات المشددة فُرضت على كل المدن في ولايات كاليفورنيا ونيويورك وواشنطن، التي شهدت أكبر عدد من المصابين بمرض فيروس الكورونا في الولايات المتحدة وأعلى نسبة وفيات فيها.
وبما أن كاليفورنيا ونيويورك تعتبران المحرك للاقتصاد الأمريكي ومركز أهم صناعاتها، شعر كل الأمريكيين بتداعيات تلك الأزمة، التي ستترك أثرا كبيرا على الاقتصاد الأمريكي عقب نهايتها.
إيقاف التصوير
إحدى الصناعات التي تواجه أكبر التحديات هي الأفلام، إذ اضطرت كل شركات الانتاج، ومن ضمنها استوديوهات هوليوود الضخمة الى إيقاف تصوير مشاريعها السينمائية والتلفزيونية وتأجيل أو إلغاء اطلاق أفلامها الضخمة، فضلا عن إغلاق أبوابها، مما سيكبدها خسارات فادحة. فكثيرا ما تموّل تلك شركات انتاج لصنع أفلامها بقروض من البنوك، وبدون إطلاق تلك الأفلام، لا يمكن لها أن تسدد تلك القروض أو تدفع أجور آلاف العاملين من تقنيين ومسوّقين ومساعدين ومستشارين وغيرهم. فعلى سبيل المثال، تأجيل إطلاق فيلم «فيوريوس» التاسع للعام المقبل، يعني أن الاستوديو سوف يخسر هذا العام أكثر من مليار دولار، وهو الدخل الذي كان متوقعا أن يجنيه في شباك التذاكر.
هذا الأسبوع، استيقظت صناعة الأفلام لتواجهه أقل دخل شباك تذاكر منذ نشأتها قبل ما يقارب مئة عام وقدره صفر، وذلك بسبب إغلاق دور العرض في كل أنحاء العالم. لكن بدلا من الاستسلام، هوليوود قررت أن تتكيف مع الواقع الجديد وتحوّله الى فرصة لخلق واقع آخر قد يفيدها على المدى البعيد.
معادلة جديدة لإنقاذ الأفلام
في الأعوام الأخيرة، حاولت استوديوهات هوليوود أن تقلص فترة التسعين يوماً، التي يفرضها عليها أصحاب دور العرض منذ إطلاق الفيلم حتى بثه على الشبكات الالكترونية دون جدوى، إذ باءت كل المفاوضات بين الجهتين بالفشل. وعندما رفضت شركة البث الالكتروني، «نيتفليكس»، الالتزام بذلك الاتفاق وأصرت على بث أفلامها تزامنا مع إطلاقها في دور العرض، دفعت ثمنا غاليا، حيث قاطعها أصحاب دور العرض وقاموا بحملات ضدها في فرنسا حالت دون طرح أفلامها في مهرجان كانّ السينمائي.لكن الوضع الراهن فرض معادلة جديدة على طرح الأفلام. فمنذ أن حجز الناس في بيوتهم، لجأوا الى منصة «نيتفلكس» للترفيه ومشاهدة الأفلام. وبعد إغلاق دور العرض، لم يتبق للاستوديوهات سوى أن تحذو حذو «نيتفلكس» وتتخلى عن اتفاق فترة التسعين يوما.
فبينما أبرمت شركة «باراماونت» اتفاقا مع «نيتفلكس» لاطلاق أفلامها على منصتها، قررت «ديزني» اطلاق أفلامها لمدة 48 ساعة على الانترنت، كي يتسنى للناس مشاهدتها بمبلغ 20 دولار، قبل أن تبثها على منصتها الالكترونية، التي أطلقتها هذا الأسبوع في أوروبا بعد أن أطلقتها في الولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي.هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها هوليوود خطرا وجوديا، ففي خمسينيات القرن الماضي، واجهت الخطر نفسه عندما ظهر التلفزيون، ثم في بداية الثمانينيات مع ظهور أشرطة الفيديو، ثم أقراص «الدي في دي» في التسعينيات. لكنها نجحت في تحويل كل تلك الأزمات الى فرص لخلق أرباح جديدة. فدخلها من التلفزيون ما زال يحقق أضعاف دخل شباك التذاكر، بينما تحوّلت مبيعات أقراص «الدي في دي» الى مصدر دخلها الرئيسي حتى ظهور شبكات البث الالكتروني بداية القرن الـ 21 لتحل محلها اليوم. لهذا، الخاسر الأكبر من هذه الأزمة هي دور العرض، التي تجني 50 في المئة من دخل أفلام هوليوود الضخمة في شباك التذاكر، وبدون ذلك الدخل لا يمكنها البقاء على قيد الحياة. وإذا نجحت في الصمود أمام هذه الأزمة، فإنها ستواجه بعدها واقعا مرآ أخر، تفرض فيه الاستوديوهات عليها معايير جديدة قد تعزز من خسائرها. التقنيون والمنتجون ومزودو المعدات والطعام وغيرهم من المستقلين أيضا يواجهون خطرا وجوديا، وذلك لأن دخلهم يعتمد على مشاريع الانتاج. وإذا طالت هذه الأزمة لأكثر من بضعة الأشهر، سيقع الكثير منهم في مستنقع الإفلاس ويضطرون الى البحث عن عمل في مجال آخر. الصراع من أجل البقاء الذي خلقته أزمة فيروس الكورونا في صناعة الأفلام يبدو دورانيا. البعض منها، كدور العرض وشركات الانتاج المستقلة قد يسحق والبعض الآخر، مثل منصات البث الالكتروني، وعلى رأسها «نيتلفكس» سيتعزز نفوذه وتأثيره وتزداد أرباحه.