لنقل مع القائلين إنّ الأرض منذ اكتشاف كرويّتها، مساحة محدودة؛ ولنردّد معهم أنّ العام اليوم “قرية كونيّة”. على أنّها ليست بالقرية “الفاضلة” ولا هي بالجنّة “الموعودة”، فما تزال كثير من أمورها إلى فوضى واضطراب كبيرين أو غير يسيرين. قرية كونيّة يزعم الزاعمون أنّ لبنتها الأولى وضعت منذ قرون مع الديانات والحضارات الكبرى، وليس في القرن العشرين الذي خفي عنّا؛ وقد ودّعناه منذ عقدين، ومضى مثل كلّ صباحات العالم التي لن تعود أبدا. قرية كونيّة يعتقد كثير أو قليل أنّها ما تزال على تغيّر العلاقات والتحالفات بين شمال وجنوب، بالصورة ذاتها التي رسمت العالم إلى يومنا هذا؛ أعني صورة الشمال “القويّ” المستغِلّ والجنوب “الضعيف” المستغَلّ. ولكنّها “صورة” تحتاج اليوم إلى قدر كبير من التنسيب، وقد أخذت الكورونا تساوي بين “النحّام” و”الغويّ”، وكلّنا خائف اليوم أو هو يداري خوفه، وكلّنا يتساءل عن مصدر هذا الفيروس، وهل يتحوّل إلى وباء عالمي، لا يسلم منه شمال ولا جنوب؛ خاصّة بعد تفشّيه في إيطاليا أقرب جار بحريّ لنا نحن التونسيّين؟
والخوف ليس فزعا فحسب، وإنّما هو أيضا “صناعة”، بل هو مفردة من مفردات العولمة التي تزحمنا في كلّ مسالك العيش دونما بشير أو نذير؛ وتتسرّب من شقوق أبوابنا وثقوبها، وما أكثر الشقوق والثقوب، بل قد لا تكون هناك أبواب أصلا. يقول المثل الأجنبي، وأنا أنقله نقلا قد يعاني من قلق العبارة، “سواء أذهب النبيّ إلى الجبل أم لم يذهب، فإنّ الجبل آتيه لاريب”، وسواء ذهبنا أو لزمنا بيوتنا، فالجبل آت كالعهن المنفوش أو الصوف المصبوغ. ما يعنيني في السياق الذي أنا به هذه العولمة التي تتحدّر إلينا من كلّ حدب وصوب؛ وهي تجرفنا نحن الذين لم نتهيّأ لها؛ في من تجرف من شعوب العالم، بما تنزّله علينا من سوط عذاب أو من منّ وسلوى. والكورونا اليوم هي كما تقول الآية: “ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع” (البقرة 155)، والخوف في العربيّة لا يعني مجرّد الفزع أو الهلع وهو أسوأ الجزع وأفحشه، وإنّما القتل؛ مثلما يعني العلم بالشيء. بل يعني جلدا أو أديما أحمر تقدّ منه سيور، ويجعل عليها إزار أو ملحفة أو شذر تلبسه الجارية. ومنه اشتقّت “الخافة” وهي جبّة من أدم أو جلد أو فرو يلبسها العسّال الذي يدخل في بيت النحل لئلاّ يلسعه النحل، ضيّقة الأعلى واسعة الأسفل يُشتار فيها العسل؛ ولعلّها صورة من ألبسة أهل الطبّ الواقية لهم ولمرضاهم من العدوى.
إذن من الصعوبة بمكان أن نحدّ الخوف حدّا مانعا جامعا، إذ هو يشير في الواقع إلى العديد من المشاعر والعواطف الإنسانيّة. لكن يظلّ بالإمكان التمييز بين الخوف من شرّ حاضر يبلغ حدّ الرعب والفزع، أو من نُذر المستقبل. وفي أيّ حال، نحن خائفون ممّا هو محتمل أو وارد أو متوقّع أو مجهول؛ في عالم يكاد يكون فيه المستقبل جزءا من حاضرنا القلق. بل إنّ الخوف والأمل أو الرجاء، بعيدًا عن كونهما مشاعر متناقضة كما يقع في الظنّ، يتعالقان في الشعور نفسه؛ فليس ثمّة خوف من دون رجاء، ولا رجاء من دون خوف. وأمّا اليأس فحال أخرى لا تتوافق والخوف.
وهو ما يؤكّده الخوف من الموت، فهو يقين لا ينجم عنه يأس أبدا. فالطبيعة وهبت الإنسان ذاكرة قويّة في مستوى “اللوزة” التي رسّخت فينا حالة من الذعر أو الرعب من كلّ ما أفزع أسلافنا وخاصّة الثدييّات؛ فنحن نرتجف لمرأى ثعبان لابد في العشب أو تحت حجارة، يرمقنا، أو هو يزحف أو يهرب من ظلّنا. وبعض الناس يعانون من رهاب العناكب، أو الخوف من الأماكن العالية أو من أن يكون رأسه تحت الماء، أو من ركوب الطائرة أو السفينة. على أنّ الخوف الأبدي من الموت، ليس يأسا؛ فمن حسن حظّ الإنسان أنّه يخفي غالبا هذا اليقين الرهيب في منطقة اللاوعي حيث يبذل دماغنا كلّ ما في وسعه من أجل أن ننسى الموت الذي يترصّدنا في كلّ مسالك العيش. ولولا ذلك لاستحالت الحياة. والإنسان كما يقول العلماء له دماغ “حوفي” أو دماغ تفكير ما ينفكّ في عمل دؤوب من أجل استنباط الإجابات المناسبة للمشاكل التي تواجهه. غير أنّ الإنسان يدرك أن لا مفرّ من الموت، وإدراك هذه الحتميّة هو الذي يحفز دماغنا “الحوفي” العاطفي إلى إيجاد الجواب الشافي الذي يكون بصلابة يقيننا بالموت. وهو ما يفسّر كيف يجد دماغنا الثاني المخصوص بالعواطف، في الدين أفضل ردّ على الخوف البشري؛ إذ هو بكلّ بساطة “يؤمّن” لنا الحياة بعد الموت. وهناك من العلماء من يقول بـ”جين الروحانيّات” وهو الذي يهيّئ الناس للدين، ويجعل كثيرا من البشر يولدون “مكبّلين سلفا” بقوّة هذه الشبكة التي تقود إلى الأديان. فثمّة متلازمات من الخوف والصراع والهروب وما بعد الصدمة أو “الخوف المشروط”، وهي تتضافر كلّها في ضمان بقاء النوع والحيطة من كلّ خطر يتهدّد الحياة، بل العدوانيّة عند البعض.
وإذا كان المرء خائفًا فقط مما لا يعرفه أحد، فعندئذ تبرز المعرفة أو العلم علاجا للمخاوف. وهكذا يحرّرنا العلم، فالبرق مثلا يتوقّف عن كونه مخيفًا بمجرّد أن تكون لدينا معرفة علميّة به؛ وكذا الموت. أو كما يقول محمود درويش في صياغة شعريّة محكمة لمقولة أبيقور: “واقتبسوا كلام الفيلسوف: الموت لا يعني لنا شيئا/ نكون فلا يكون/ الموت لا يعني لنا شيئا/ يكون فلا نكون”.
أمّا على المستوى المرضي، فيتّخذ الخوف شكل الرهاب أو القلق الذي يمكن تعريفه على أنه “الخوف بدون كائن”؛ والأمراض كما يقول ألكسيس كارفال في كتابه “الإنسان هذا المجهول” (غير مترجم إلى العربيّة في حدود علمي وهو المترجم إلى عشرين لغة) ليست بالجواهر أو الحقائق الكاملة، وإنّما نحن ننشئ في أذهاننا مجرّدات وكلّيات نسمّيها “أمراضا” أو “محمولات” باصطلاح أرسطو، وهي الجنس والنوع والفصل والخاصّة والعرض العامّ. والمرض حالة شخصيّة تتّخذ صورة الفرد المريض أو هيئته، “وعلى قدر ما توجد أمراض مختلفة، يوجد مرضى مختلفون”. ويتعذّر في هذه الحال، بناء علم طبّ تقيّدا بأكثر ما يمكن تجميعه أو رصده من ملاحظات فرديّة. فكان لزاما على العالم ترتيب الحالات وتبسيطها تجريديّا، “وهكذا ولد المرض… وعلى الطبيب أن يحكم التمييز بين الكائن الإنساني المريض الموصوف في المدوّنة الطبّية، والمريض الماثل أمامه”، أي هذا الذي ينبغي أن لا يقع تشخيص مرضه فحسب، وإنّما التخفيف عنه قبل كلّ شيء، وتسكين وجعه وروعه؛ حتى يتعافى. ودور الطبيب الأساسي هو أن يكتشف في كلّ “معالَج” خصائص فرديّته، ومدى مناعته أو مقاومته للعامل المرضي المتولّد.
لكنّ “القرية الكونيّة” كلّها خائفة اليوم، وإنّ من حقّنا أن نخشى على صحّتنا وصحّة أقاربنا، وأن نخشى من التغيّرات المناخيّة، وتحوّلات العالم وصراع الأقطاب و”ثقافة العدوّ”… وهي مخاوف تنضوي على تعدّدها وتنوّعها إلى أربعة أصناف: الفقدان، مثل فقدان شخص عزيز أو الخوف من فقدانه، والخوف من فقدان الأصدقاء أو فقدان ممتلكاتنا وظيفتنا وعملنا وبلادنا… فالهجر، والخشية من أن نهجر، أو نصاب في حادث، أو نعنّف، فالإذلال أو الإهانة.
الخوف مخاوف فقد يكون خوفا من فقدان مورد الرزق، أو عجزا عن تلبية حاجاتنا الضروريّة أو إشباعها، أو خوفا على مستقبل الأبناء أو خوفا من الأنفلونزا … أمّا القول المأثور” من خاف نجا” وله صياغات شتّى في أمثالنا الشعبيّة، فمردّه إلى “خوف” متأصّل فينا من “السلطة”، أو رغبة في أن تكون الحياة بين أيدينا رضيّة مذلّلة، حتى نعيشها على أحسن حال ممكنة.
للخوف جغرافيا وتاريخ، بل له صناعة تُعرّف من حيث هي نتاج مزدوج للطغيان: طغيان السلطة الاستبدادية وطغيان الموروث الثقافي. ولهذين تجلّيات شتّى، لعلّ من أظهرها تخلّي المواطن عن حقوقه المدنيّة والسياسيّة، بل خوفه من المطالبة بها، لما يعرفه أو يسمع عنه من بطش المؤسّسة الأمنيّة التي كأنْ لا عمل لها في أنظمة الاستبداد، سوى إذكاء ثقافة الخوف وتأصيل جذورها في المجتمع؛ حتى ليحقّ لنا أن نتندّر بما يقال عن ظلم الحكّام وجورهم: إذا رأيت شرطيّا نائما، فلا توقظه فإنّه إذا استيقظ يؤذي الناس.
لكن لماذا يجب أن نتخلّص من الخوف؟ وهل يخشى الخوف عندما يتمّ ترويضه؟
بل لماذا نخاف من الخوف؟ هذه “الغريزة” البدائيّة التي تكشف هشاشتنا وضعفنا؟ وهو بعبارة جورج باتاي مجال التجربة الداخليّة الأقوى والأقصى بل التفكّريّة والأقدس؛ وهو القائل “أنا أبحث عن الخوف” قياسا على قول الآخر “أنا أبحث عن الحقيقة”؟