«صندوق هويدا السرّي» والمصارف من انترا إلى 2019 سرد مفتوح على المنصّات بدون محرّمات هلا حداد: بهلونيات اقتصادية وسرقات «تُضبْضب»… لهويدا مستقبلاً دور المراقب على الفساد اللبناني

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: انطلق مسلسل «صندوق هويدا السري» الكرتوني على منصات يوتيوب، تيك توك، فيسبوك، انستغرام واكس قبل أشهر مستعيداً مرحلة من تاريخ لبنان السياسي والاقتصادي، ومضيئاً على حقبة سُميت جميلة. ولدت هويدا، والتي حملت إسم ابنة الكبيرة صباح، يوم إعلان انهيار بنك انترا العملاق. السؤال عن ما ننتظره من تلك «الصبية» الستينية في الحلقات المقبلة؟ طموح كاتبة «صندوق هويدا السري» الزميلة هلا حداد أن تطال حلقاتها سرقة القرن، أي سنة 2019. فلم يحدث أن أدّعت مصارف بأن ودائع الناس تبخّرت. لكنه حدث في لبنان.

هويدا مسلسل كرتوني يومي بحدود ثلاث دقائق للحلقة، ثلاثي الأبعاد، مشوّق كنص، ويجمع بين العام والخاص. تؤديه صوتاً الزميلة حنان فضل الله وتشارك في الكتابة، ويخرجه كارابيت تاهمجيان. هويدا تجيد السرد وتعتمد السجع، تحكي حياتها المكبّلة بلاءات والديها، إلى أن «فلِت لِمْلَق». وفي العام تدخل هويدا إلى المحطات السياسية والعسكرية التي طبعت حياة لبنان، وتكشف بعض الأسرار.
مع هلا حداد كاتبة هويدا هذا الحوار:
○ لماذا هويدا وصندوقها السرّي الآن؟
• ولدت هويدا في 14 تشرين الأول/اكتوبر 1966 بالتزامن مع انهيار بنك انترا. لسلسلة هويدا الكرتونية صلة وثيقة بالأزمات المالية اللبنانية، وتضيء على السياسيين وفسادهم، واستفاداتهم الدائمة من المصارف، وبهلونياتهم الاقتصادية التي تعود عليهم بالفائدة. هؤلاء من تسببوا بانهيار بنك انترا. حياة هويدا تبدأ مع انهيار انترا، وتتوالى فصولاً وصولاً للأزمة المالية الحالية. 60 سنة من عمرها تعيش خلالها أحداثاً جمة لأن لبنان هو مسرح حياتها.
○ ثمة كتابات تقول أنه لم يكُن مسموحاً ليوسف بيدس اللاجئ من فلسطين بأن يكبر أكثر فما رأيك؟
• خلال البحث لفتني الدكتور ايلي الياس بضرورة الإطلاع على كيفية تأسيس بنك انترا، ومصدر أموال يوسف بيدس؟ تتقاطع المعلومات بأن المال الذي أتى به من فلسطين هرّبته المخابرات الألمانية من ثروات هتلر، والولايات المتحدة وافقت على تهريبها إلى فلسطين بعد احتلالها من الصهاينة. تقول المعلومات إن بيدس كان موظفاً عادياً في مصرف، لجأ إلى لبنان ومعه شيئاً كبيراً. ويتردد أن الراحل الياس سركيس اشترى منه الذهب، واشترطت الولايات المتحدة للسماح بشرائه، إيداع ثلاثة أرباعه في الأراضي الأمريكية وبوصايتها. لو صحّت نظرية عدم السماح لبيدس بأن لا يكبُر لما تُركت امبراطورية انترا تكبر لهذا الحد، فهو كان يمتلك شارعاً في الشانزيليزية، وأبراجاً في نيويورك وغيرها. انهار في لبنان كمصرفي، وبقيت أمواله وممتلكاته تعمل في الخارج. تمتلك الدولة اللبنانية 51 في المئة من شركة انترا، وشركة طيران الشرق الأوسط، وكازينو لبنان من ممتلكاته. لدى السؤال عن ارباح انترا عبر الشبكة العنكبوتية الجواب مبهم أو يعطي إجابات متضاربة. لو افترضنا وجود قطع حساب للدولة اللبنانية وسألنا عن الشركاء، فلن نعرف جواباً عن شركة انترا، هي سر عميق.
○ كشف السر من أهدافك؟
• ليتني أتمكن من ذلك. نعرف أن بنك انترا أفلس، إنما الشركة ما تزال قائمة. ويتردد أن كبار السياسيين في لبنان استفادوا من بنك انترا. «ضُبضبت» المسألة وأخذتها الدولة على عاتقها تفادياً للفضائح، تماماً كما جرت لملمة فضائح بنك المدينة وأبطالها سياسيون.
○ انهار الاقتصاد كلياً سنة 2019، أقفلت المصارف ولم يعد لدى الناس ليرة. فهل وجدت هويدا شبها بين الماضي والحاضر؟
• الهدف الوصول لوصف اثر انهيار 2019 على هويدا. المستجد الذي لم يظهر بعد في السلسلة أن هويدا ستدخل الجامعة لدراسة إدارة الأعمال، ستعمل في مؤسسات فيها فساد وسيكون لهويدا دوراً فيما يشهده لبنان، وإن لم يكن مؤثراً سلباً أو إيجاباً، فستكون كمراقب.
○ سبقت سلسلة هويدا إلكرتونية متغيرات إيجابية انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة والجميع سيحارب الفساد ما هو رأيك؟
• إن حصل فلن نغيب عن ذكره في سلسلة هويدا. شخصياً لا آمل بعودة الودائع، ولا بمحاسبة الفاسدين. لبنان يعاقب الفاسد الصغير، ويتوج الكبير بطلاً.
○ تقولين «تي تي تي»؟
• وأتمنى أن أكون مُخطِئة.
○ مفرحة بدايات هويدا وانطلاقتها في الحياة؟
• صحيح وتحدّثت عن العز اللبناني الذي سبق سنة 1975، منها الحالة الثقافية والفنية والسياحية والعمرانية. حينها كان برج المر في القنطاري ناطحة السحاب الوحيدة في الدول العربية وارتفع سنة 1974. أسئلة عدّة تُطرح إن كان مسموحاً للبنان الاستمرار في ذاك الازدهار أم كانت له وظيفة مختلفة؟ ظهر أن لبنان كان يتحضّر لمرحلة صراعات عنيفة، تطورت مع السنوات إلى صراع بين أبناء المناطق بذاتها. ستبوح هويدا بالكثير إنطلاقاً من حُرقة قلبها.
○ حِمْلُ هويدا ثقيل من أزمات لبنان المتشابكة اقتصاداً وسياسة وتربية وأم متشددة. من أين قوتها؟
• تروي هويدا حكاية وطنها المعقدة كما قصة حياتها، وليست بحاملة لقضاياه الشائكة، لا تُبدي رأياً في قضايا الوطن. في الحلقة 62 تكتشف فاجعة الموت في المبنى الذي تسكنه، حيث قضى القنص على حياة الدكتور «أميل» المحبوب والمحترم. «راح الإدمي. الصراخ. الدعاء على الجاني من صميم قلب الأهل». حين كتبت هذه الحلقة وقدمتها للمخرج كارابيت تاهمجيان سألني «هذه قصة الدكتور الحقيقية أليس كذلك؟» وأخبرني أنه كان متطوعاً في الصليب الأحمر حينها، وجرت محاولة لإنقاذه من دون جدوى. ولم تكن المعرفة تجمعني مع المخرج، بل كنت أسكن المنطقة التي جرى فيها القنص، وكنا معاً من شهود الحدث.
○ بعض الحلقات تزينها صور لبيروت أيام زمان. ما ردّة فعل المتلقين؟
• للأسف لا تعليق على نوعية الفيديوهات. الملاحظ أنّ العمل أصاب من تخطى عمر الأربعين، لدى هؤلاء نُتف ذاكرة عن بيروت، بعضها من روايات الأهل، بعض الحلقات أعادت إحياء تلك الذاكرة. على سبيل المثال لقاء هويدا مع «أبو ملحم» كشخصية مشهورة كان في عاليه جالساً على شرفة منزله. والتقت بفريال كريم في حفل نادي ضيعة جدّتها، حفيدة أبو ملحم نضال زياد أديب حداد أحبت الحلقة والفكرة، ووجدتها تحية لهؤلاء الناس، وإن لم تكن مباشرة.
○ بدأت الحلقات تقترب من المئة. هل طريق النهاية واضح كما البداية؟
• العناوين العريضة واضحة منها حياتها العاطفية، وجميعها متّصلة بالأحداث اللبنانية. اُنجزت الحلقات التي تتناول الأحداث حتى سنة 1988 وبلغت هويدا الـ22 سنة. وفي المقابل تسجّل الزميلة حنان فضل الله صوتها. في البدايات روت هويدا قصة حياتها معطوفة على الحالة اللبنانية المتشابكة. ككاتبة لسلسلة هويدا هدفي واضح، بأن المرحلة الأشد إلحاحاً محصورة بين سنوات 2019 و2024، وعنوانها الثورة والأزمة المالية. وجائحة كورونا والمتغيرات الطارئة على حياتنا، إلى زلزال سنة 2023، وغزّة وطوفان الأقصى، وسنة 2024 والعداون على لبنان. أحداث جسام في نهايات الحلقات وكأنها قدرنا الدائم أو الداهم.
○ كيف تتوصّلين بدقائق ثلاث لما يُشبه «الإيسانس» لمرحلة ما؟
• أركز على الأحداث الكبرى وأبتعد عن التفاصيل. بتناول قضية المفقودين والمخطوفين، والبعد الدرامي سيكون مُحرّكاً.
○ هويدا مُحاصرة بممنوعات والديها إلى أن «فلت الملق» بحسبها. كيف جرى ربط حياة هويدا بحياة وطن يُمنع عليه أن يستقر؟
• ليس لأحدنا أن يسلخ ذاته عن محيطه. ما يُحيّر مخرج سلسلة هويدا تعدد الشخصيات، وردي أنه لكل مرحلة شخصياتها، لهذا تدخل وتخرج من حياة هويدا الكثير من الشخصيات المتّصلة بالبيئة المحيطة بها، ووصلنا إلى مرحلة بدأ فيها تمرد هويدا على بعض الشخصيات التي أكتبها.
○ كيف تتأكدين من معلوماتك؟
• كارابيت تاهمجيان يبحث عن دقة المعلومة ويصوّب بعضها، وهذا طبيعي نظراً لمحدودية المراجع. في بحثي عن الأغنيات الرائجة في الثمانينات ورغم معرفتي بشهرة عازار حبيب وآخرين وجدت الأغنيات من دون تأريخ، وهي مرحلة مبهمة فنياً. فيما السبعينيات تقدّم معلومات جمّة حول الأغنيات التي ميزتها. أغنية ريمي بندلي اعطونا السلام مرّت في حلقة، متّصلة بحدث عاطفي خاص بهويدا.
○ أنتم بصدد تناول مرحلة «الثورة» فالحلقات إذاً ستتجاوز رقم  1000؟
• أحداث عام كامل تختصرها هويدا بالحد الأقصى بعشر حلقات، ولن يتخطى مجمل الحلقات الـ300.
○ هل ترين في تدوينات المتلقين ما يرضي؟
• تضحك وتقول: نعم فيها ما يرضي غرورنا كفريق. هناك نوعان من المتلقين، أحدها يهتم بالمسار العاطفي لهويدا، وآخر يهتم بالخط العام، ولهذا باتت الحلقات تسعى للتوازن بين الخطين العاطفي والعام.
○ تقدمين برنامجاً يومياً بالعربية من إذاعة «صوت فان» فماذا عنه؟
• عنوانه «كل يوم بيومه»وعمره 25 سنة من الإثنين إلى الخميس. وأقدّم يوم الجمعة برنامج «موقف مني.. موقف منك»، حيث أتبادل تسجيل المواقف من أحداث الأسبوع مع الضيف.
○ تحاورين سياسيين أو زملاء في الصحافة الأحداث اللبنانية سريعة التبدّل. فما هو أثرها عليك كإنسان مهني؟
• تراكم الحوارات السياسية نضجاً لدى المحاور، فيُدرك أن الأحداث من حولنا ليست وليدة الصدفة. نحن في مرحلة انعدام السياسة في منطقتنا، نتلقف، وننفذ ونتفاعل مع ما يريده القطب الواحد المتحكّم بقرار منطقتنا، لهذا عندما يصرّ أحدهم على موقف في السياسة أدرك كمحاورة ضرورة النظر إليه بحدود حجمه فقط، فاللعبة برأي أكبر من الجميع. ما يؤخذ علي خلال الحوارات تكرار جملة «خلينا نكون واقعيين». أياً كان ضيفي أتبنى في حواره الرأي الآخر حتى وإن كان خارج قناعاتي.
○ لماذا كل هذا التجبّر بالبشر من ذاك القطب؟
• لأنه في أزمة، يسعى لخلاص نفسه وإن على حساب انهيار العالم.
○ ما من امل بانفكاك هذا التسلّط؟
• رغم كوننا في غير زمن التوقعات كتبت على توتير قبل أيام «أتوقع أن الربيع الأمريكي الداخلي سيبدأ في شهر أيار/مايو 2025». ما نقرأه أن الولايات المتحدة تحمي ناسها، والدولة التي يضع الاقتصاد العالمي بكليته في خدمتها تحقيقاً لرفاهية الفرد الأمريكي، يدار القطاع العام فيها اليوم بعقلية الشركة الخاصة. الرئيس ترامب وماسك يعتبران الناس عاملين في شركاتهم. برأيي لن تصمت الناس طويلاً، خاصة المتضررين. يُحكى عن 60 ألف موظف مدني في وزارة الدفاع سيكونون بدون عمل قريباً جداً، هذا عدا المرافق الأخرى التابعة للقطاع العام.
○ هل سيأخذ المسلسل الكرتوني بيدك إلى الدراما التلفزيونية؟
• هي تجربة جديدة في العالم العربي خاصة مع اعتمادها للأبعاد الثلاثة. لسنا بشركة، بل أفراداً نقود تجربتنا بهدف التعبير، ولدى انتهاء هويدا سنكون مع مسلسل كرتوني آخر ربما، ونأمل أن تسمح الامكانات بإنتاج فيلم سينمائي كرتون. قدّمت أفكاراً للدراما التلفزيونية ولم تلق قبولاً من شركات الإنتاج، فكانت هويدا.
○ الحوار الذي خضته واستوقفك مؤخراً؟
• الحوار مع المؤرخ اللبناني انطوان فرنسيس، أصفه بمراقب بحجم دولي وليس لبنانيا فقط. قبل ثلاث سنوات وخلال حوار معه وصّف 2019 بأنها بداية نهاية الطاقم السياسي الحاكم في لبنان، بحيث سيحلّ مكانهم المصرفيون كحكّام. وهكذا نرى حكومة لبنان الجديدة مكونة من مصرفيين ورجال أعمال ليس لهم أي بعد سياسي. ويُحكى عن حكومة عالمية لحكم العالم، إنه النظر إلى العالم كاقتصاد، من دون أي بعد إنساني أو قيمي، وهذا مرعب.
○ وهل هو الحد الأقصى من توحش الرأسمالية؟
• لا أظن بأننا سنكون أمام المزيد. أنه الحد الأقصى بدون سؤال عن جوع أو مرض أو موت. البحث هو فقط عن مال يُمطر عليهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية